مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

الحركات الإسلامية وجدل التسمية - عباس المرشد

طباعة PDF



ليس غريباً أن تكون هناك مساحة متحركة من الجدل بشأن تسميات الحركة الإسلامية، جدل تدور رحاه بين الحركة الإسلامية نفسها وبين الدارسين لها أو بين خصومها. الحركة الإسلامية كما تعرف عن نفسها هي عبارة عن الحركات التي تنشط في الساحة السياسية، وتنادي بتطبيق الإسلام وشرائعه في الحياة العامة والخاصة. ويكاد تعريف السيدعبدالله الغريفي للصحوة الإسلامية أن يقترب مما يأخذ به راشد الغنوشي كتعريف للحركة الإسلامية، حيث يعرفها الغنوشي بأنها «جملة الجهود الجماعية والفردية التي يقوم عليها عشرات الآلاف من الرجال والنساء المؤمنين برسالة الإسلام في كل أرجاء المعمورة من أجل هداية البشرية إلى الله.. على نحو يغدو معه النشاط الإنساني في كل جوانبه ينطلق ببواعث إسلامية متجهة إلى تحقيق مرضاة الله، وذلك عبر الكفاح المتواصل الفردي والجماعي ضد اندفاعات النفس صوب الهبوط المعززة بإغراءات شياطين الجن والإنس القائمين عقبة في طريق تجديد الحياة والفكر والسلوك، والسياسة والمجتمع والآداب والفنون»، فالصحوة الإسلامية عند الغريفي تأتي للتعبير عن إقصاء الدين عن مجالاته السياسية والاجتماعية، فالصحوة الإسلامية ركزت على أن «الدين يفرض حضوره في حركة الثقافة والمثقفين، وفي حركة السياسة والسياسيين، وفي حركة الواقع الاجتماعي، الاقتصادي، التربوي، والإعلامي. وأخيراً خرج الدين من المسجد ليتحرك في كلِّ الساحات، وأخذت طلائع الوعي الديني الحركي تتشكل في كلِّ المواقع، وفي كل الساحات، فلم تعد الثقافة، والسياسة، والاقتصاد حكراً على العلمانيين والليبراليين واللادينيين»(1).
الحركة الإسلامية في تعريف أقطابها لا تخرج عن إطار ما سوف يعرف بالصحوة والعودة إلى الأصول العقائدية والفقهية التي شكلت معالم الحضارة الإسلامية والعربية والنظر إلى تلك الأصول كإطار تنهض من خلاله الأمة العربية وهذا هو الى حدث عندما بدأت أصول الصحوة بالانتشار وتكريس نفسها من جديد.
ما يثير جدلاً في تعريف الصحوة هو ربطه بوجود الآخر وتحركاته التي ينظر إليها على أنها تحركات مضادة. ربما صح لكثيرين ربط الجانب اللغوي بالواقع العملي واعتبار اللغة مؤشراً أولياً، بل وحيداً على إعمال الفكر وتحريك الواقع. انطلقت هذه الحركة بعد الثورة اللغوية التي اكتسحت المجالات المعرفية وأثرت بشكل مباشر على دراسة الحركات السياسية، خصوصاً في العالم العربي. وفق تلك الوتيرة برزت تسميات عدة أغلبها غير محددة للإشارة إلى الحركات الإسلامية، فهي تارة إصلاحية وإحيائية ومرة أصولية وهكذا صرنا أمام مسميات الإسلام السياسي، والإسلام الحركي، التشدد الإسلامي التطرف الديني، السلفية الجهادية الخ من التسميات الدالة على نمو الحركة الإسلامية. والحال كما يسجل فرانسوا بورجا، أن تلك التسميات تبقى مشوشة وغير قادرة على تحديد موضوعها وغالباً ما تكون التسميات مشحونة بأثقال التحيز والقلق من الآخر الشرقي وعلى وجه الخصوص الإسلامي منه(2).


وسواء كانت تلك التسميات صحيحة ودالة أو غير ذلك فإن هناك جملة من الملاحظات لا ينبغي التغافل عنها. من أهم تلك الملاحظات هي اختلاط الفكري بالسياسي واعتماد أغلب الدراسات أسلوب تحليل الخطاب الإسلامي كبديل عن الفاعلية الحركية السياسية، ومن وحي دراسة الخطاب برزت تسميات عدة ألصقت بعد ذلك بأطياف من الحركة الإسلامية.

من الطبيعي أن هذا التداخل لم يقتصر على الباحثين، بل أثير أولاً في صفوف قادة الحركات الإسلامية وميلهم الشديد إلى توصيف أنفسهم أنهم دعاة إصلاح أو ثوراً أو أصلانيون (من الأصالة) كما ساهمت تسميات التنظيمات الإسلامية المنتشرة في الخليج، في ربط أسمائها بمنهج عملها وتحديدها وفق أصول دراسة الخطاب واتباع المنهج اللغوي في ربط كلا المجالين.

إن كل ذلك صحيح في مجمله وله واقع من الصحة، لكنه غير قادر على تقديم الرؤية الواضحة لمجال عمل الحركة الإسلامية وقلعها من الإطار الصنمي والتفسير الأحادي طويل الأمد بما يتعارض وطبيعة أية حركة اجتماعية بما في ذلك الحركات الإسلامية، حيث تخضع أغلب الحركات إلى طبيعة دينامية متحركة تتفاعل مع المحيط الذي تنشأ فيه، ومن هنا يرى جيل كبيل (Gilles kepel) أن تطور الاجتماع الإسلامي لم يتم في منهج خطي، إذ هناك تغير في استراتيجية الحركات الإسلامية منذ الثمانينات(3). فقد عكست الحركة الإسلامية بعض التفاعلات الداخلية التي كانت تجرى من تحت الستار ويتم التأسيس الفكري والمعرفي لها فبرزت مناطق غير مفكر فيها أو غير منظور إليها.
فثمة محركات كانت تعمل من داخل التيار الإسلامي أفرزت حركة إسلامية ليست ذات قالب واحد، بل إنها حوت اتجاهين متعارضين الأول قاعدي والثاني رأسي، إذ يؤمن الاتجاه القاعدي دائماً بالمنهج السلمي في العمل السياسي، فهو يرفض صراحة العنف ويؤمن بالتربية في محاولة هادفة على المدى البعيد لامتصاص كل المعارضات التي تواجه المشروع الإسلامي. في مقابل اتجاه آخر يقوم على إتمام عملية التغير من خلال الانطلاق من القمة ورأس الهرم السياسي، إذ يعتبر أن السلطة السياسية هي القادرة على تحقيق المشروع السياسي الإسلامي.

وفي الواقع انعكست تلك المحركات في الأسماء التي تذيل بها الحركة الإسلامية نفسها وخضوعها في كثير من الأحيان إلى الاستبدال، كما تظهر في تسميات الحركات الانشقاقية أيضاً، إذ تكاد تقترب من اسم الحركة الأم مع إضافة بعض الألفاظ الدالة على الحركية التي تخضع لها عموم الحركة الإسلامية.
وفي هذا التشابه والتغيير دلالة يجب علينا التمسك بها حتى نهاية المطاف، وهي أن الحركة الإسلامية عانت في بدايتها من حالة عدم اكتمال النضج ونقص الرؤية، لذا فهي تحاول أن تعكس طبيعة حركتها الداخلية في اتخاذها لتسميات تربطها مباشرة بعملها. فعندما تكون وعظية ودعوية، فإنها تحمل أسماء مثل جمعية الثقافة الإسلامية أو جمعية التوعية الإسلامية أو جمعية الشباب المسلم كإحالة لإبراز الهوية الدالة على الوجود، إلا أنها سرعان ما تجد نفسها منخرطة في الواقع السياسي والاجتماعي وتجد عجز التوعية والثقافة عن تغطية عملها، فتبادر إلى استبدال اسمها أو إضافة بعض الملصقات الدالة على الحركية والتفاعل، كالائتلاف الإسلامي (الكويت) أو جمعية العمل الإسلامي (البحرين) أو التجمع الدستوري (الكويت) أو الجبهة الإسلامية (البحرين) أو منظمة العمل الإسلامي (السعودية)، أو إحياء التراث (الكويت) أو الأصالة الإسلامية (البحرين).


[1] حديث الجمعة بتاريخ 13-6-2003 الموقع الشخصي للسيد الغريفي
[2] فرانسوا بورجا : الإسلام السياسي صوت الجنوب ، ترجمة د لورين زكرى، منشورات دار العالم الثالث الطبعة الثانية ,2001 ص.29
[3] عباس ميرزا المرشد ، ضخامة التراث ووعي المفارقة التيار الإسلامي والمجتمع السياسي في البحرين، مجمع البحرين للدراسات والبحوث، .2002

 

المصدر: صحيفة الوقت البحرينية
19 يونيو 2008




الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها