مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

صعود الحركات الإسلامية المنظمة - عباس المرشد

طباعة PDF



طوال العقود الثلاثة التي لحقت نكسة 1967 كانت الحركة الإسلامية في الخليج مخفية عن الأنظار، وقلة من الدراسات هي التي حاولت التعرف على حقيقة أسباب انتشار الحركات الإسلامية في الخليج وكيف لها أن تعمل، رغم معرفة الجميع بدورها الحيوي في دعم كافة الحركات الإسلامية في العالم العربي خصوصا مع مجاهدي أفغانستان والإخوان المسلمين في مصر.


فالحركات الإسلامية ''المنظمة'' ومنذ بدايات تشكيلها منتصف الستينات من القرن المنصرم حاولت أن تعكس طابع خصوصيتها الخليجية في الطابع العام لأي حركة إسلامية ممثلا في البعد العالمي. إذ لم يكن باستطاعة أي حركة إسلامية أن تفصل نفسها عن البعد العالمي سواء من ناحية الدعم والتكافل المالي أو الدعم اللوجستي الذي يأخذ أشكالا عديدة منها تبادل الدعاة وطلبة العلم الشرعي ونشر الكتب والأدبيات الإسلامية وصولا بتوفير العنصر البشري لأي حركة قد تتعرض للخطر او الضربات أمنية.


إلا أنه وبعد صعود نجم الصحوة الإسلامية بداية عقد الثمانينات كانت الحركة الإسلامية في الخليج تبلور نفسها وفق الطبعة الحديثة للحركة الإسلامية العالمية التي من أهم صفاتها الانشغال بالبعد السياسي والتأكيد على '' أسلمة'' المجتمع المسلم والعودة به إلى الأصول الدينية.


على إثر هذه الموجة التجريبية تأسست العديد من التنظيمات الإسلامية في الخليج العربي وفي الواقع كانت هذه التنظيمات بمثابة فروع لتنظيمات كبرى تمتلك إرثا تاريخيا أعمق وتراثا سياسيا أكبر وخبرة كافية في إدارة المعارك السياسية والاجتماعية. وفي الواقع فقد أسست هذه التنظيمات على أسس أممية تتعلق بالعمل على تحقيق حلم الخلافة وتطبيق آراء فقهاء القرن السادس والسابع الهجري حيث تؤكد تلك النصوص على ضرورة قيام خليفة واحد للمسلمين على كافة الأقطار الإسلامية، وعلى هذا الأساس بنيت جل تلك التنظيمات.


لقد فتح حزب ''الدعوة الإسلامية'' العراقي أكثر من فرع له في البحرين والكويت والسعودية كما قامت حركة ''الرساليين'' بفتح منظمات مشابهة لها أيضا في هذه الدول. وكان تنظيم الإخوان المسلمين قد سبق كل من حزب الدعوة وحركة الرساليين إلى تأسيس فروع له في البحرين والكويت، أما الحركة السلفية فهي الوحيدة التي استطاعت أن تمتد من منطقة الخليج إلى مناطق أخرى خلافا لسائر التنظيمات الإسلامية الخليجية.


وبالعـــــودة إلى تفاصيل هذه المرحلــــة، نجد أن انتشار عناصر تنظيم الإخوان المسلمين في منطقة الخليج بعد خروجهم من مصر وكذلك عناصر حزب الدعوة وحركــــة الرساليين وخروجهم من العراق، قد حول اهتمامــــات الحركات الإسلامية الخليجية من مجـــالات دعوية وعظية إلى اهتمامات سياسيــــة أمميــــة، بحكم تورط هذه العناصـــر في ملفات سياسية في بلادها.


و يمكننا ملاحظة ذلك في تجارب بعض التنظيمات الإسلامية ذات الصبغة العالمية مثل الإخوان المسلمين والجماعات السلفية والتنظيمات الشيعية.
بفعل الامتداد الجغرافي الذي عاشته حركة الإخوان المسلمين في مصر والأردن وهجرة أعضائها شاعت مرجعيات فكر الإخوان المسلمين وأدبيات الأحزاب الإسلامية الأخرى في منطقة الخليج العربي، وتحت وطأة ''قانون النصرة'' وجدت الحركات الإسلامية الخليجية نفسها مضطرة لتمويل أخوتها التي لا تمتلك الوفرة النفطية وتطاردها أجهزة قمع تفتقر إليها أنظمة الخليج العربي. وصارت الحركة الإسلامية الخليجية أممية في طابعها لكنها أممية تابعة كما تعكسها تجارب الإخوان المسلمين في دول المنطقة.


كان ابتعاد أغلب الحركات الإسلامية الخليجية عن اتباع العنف سببا مع أسباب أخرى في نمو علاقة وظيفية بين الدولة وهذه الحركات مما جعل منها قوة ذات حضور لافت في لعبة التوازنات السياسية الداخلية وهذا ما أمن لهذه الحركات الكثير من المكاسب والمنافع[1]، وسمح لكثير من أعضائها تبوأ مكانة عالية في مناصب الهرم السياسي والقيادة الإدارية في الدولة الخليجية، الأمر الذي أفضى إلى زيادة نفوذ الحركات الإسلامية وسيطرتها على كثير من المؤسسات المالية الإسلامية كبيت التمويل الكويتي والمصارف الإسلامية كالبنك الإسلامي والصناديق الاستثمارية.


بيد أن هذه الصورة لا تؤهلنا للتمسك بها بشكل مطلق، إذ تشكل التركيبة والمفاضلة الداخلية للحركات الإسلامية رافدا من روافد الأممية التابعة. فكثير من القيادات الفكرية داخل هذه الحركات هي من أصول عربية وهي تمارس فوقية معرفية نظرا لخبرتها ومرجعيتها الفكرية في الوقت الذي تغلب الأصول البدوية والعرقية على غالبية الأعضاء المواطنين، وهذا دفعها إلى أن تصبح ممولا ضخما للحركات الإسلامية في مصر وسوريا والمغرب والجزائر وتابعة فكريا وتنظيما لها.


وفي الواقع وجدت الحركات الإسلامية في الخليج باستثناء الحركات السلفية، نفسها محاطة بظروف تحد من قدرتها على تبني خيار المرجعية الأممية، لأسباب عديدة أهمها البيئة المحافظة لأنظمة الحكم والمجتمع الخليجي، والأهم هنا هو غياب الأطر السياسية التي يمكنها أن تتحرك من خلالها وهو ما تسبب في جعل الحركات الإسلامية ترهن نفسها لتنظيمات إسلامية كبرى واتخاذها مرجعية ومظلة فكرية تسترشد بها في خيوط عملها الدعوي.


ويمكن الإشارة هنا إلى أن ضعف الحركات الإسلامية (الإخوان المسلمين خصوصا) وفشلها في ملاءمة الحراك السياسي خصوصا فشلها في الانتخابات الكويتية سنة 1962 و1963 ومثلها حركة الإخوان المسلمين في البحرين سنة 1972 و1973 التي لم تستطيع أن تفوز بمرشحها غير المعلن الشيخ عبد الرحمن الجودر، قد أسهم هذا الإخفاق في تكريس صورة الذات المهزومة عند أعضاءها وشعورهم بالتبعية للمراكز العليا في الحركة الإسلامية وجعلهم يتجهون إلى أمور يعتقد أنهم يحرزن تفوقا فيها مثل الدعم المادي للحركات الإسلامية وتمثليهم في منطقة الخليج العربي.

 

[1] باقر النجار: ''الحركات الدينية في الخليج العربي''، دار الساقي، ,2007ص .22

 

المصدر: صحيفة الوقت البحرينية
28 يونيو 2008



 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها