مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

الحركات الإسلامية في الخليج العربي وتأثيراتها الدينية والسياسية - سليمان الشيخ

طباعة PDF



لا تختلف الحركات الدينية الإسلامية في بلدان الخليج العربي عن مثيلاتها في العالم الإسلامي، من حيث بداياتها في الدعوة إلى الخير والصلاح، والحض على أداء الواجبات الدينية والابتعاد عن المفاسد والشرور، من دون وضوح في أهدافها السياسية، وإبقاء ذلك من ضمن غموض مدروس أحياناً، أو من ضمن حالة من حالات «التكتيك المرحلي» وإخفاء النيات لدى بعض قياداتها الأساسية في مراحل التكوين الأولى. وقام حلف واضح، أو يشوبه الغموض أحياناً بين بعض تلك الحركات والسلطات المعنية من أجل تحقيق أهداف عدة، من بينها: مواجهة الحركات اليسارية والقومية والليبرالية على سبيل المثال. هكذا تم الأمر في مصر أيام المرحلة الساداتية، وفي غيرها من البلدان العربية، وكذلك في أفغانستان وباكستان وغيرها.

إلا أن الحركات الدينية، ومن بينها الإسلامية بطبيعة الحال، وعندما تخرج من شرانقها وقماقمها وتقوى ويشتد عودها، فإنها لا تكتفي بالدعوات الصالحة على الصعيد الوعظي الأخلاقي، أو الوقوف بوجه الحركات غير الدينية فقط، بل إنها تلتفت إلى المطالبة بالمشاركة السياسية، وعندها قد تقع الواقعة بينها وبين سلطات بلادها، لأنها لا تكتفي أحيانا بالنصيب الذي تعطيه السلطات لها، بل تريد المزيد. . وبعض قياداتها وأفرادها يصل إلى حالة من حالات التطرف، وصولا إلى تكفير سلطات الحكم والناس، والخروج عليهم بالوسائل المتطرفة التي تهدر وتهدد مصالح البلاد والعباد.

فهل تجربة الحركات الدينية في الخليج العربي تختلف، أم تقترب من التوصيف السابق؟ هذا ما درسه الكاتب البحريني باقر سلمان النجار في كتابه «الحركات الدينية في الخليج العربي» الصادر حديثاً عن دار الساقي. وقد ركز الكاتب في دراسته على تجربة الحركات الإسلامية في الكويت والبحرين في الأساس، مع تناول جزئي للتجربة في الإمارات العربية المتحدة.

ولأن الحركات السياسية غير مسموح لها بالعمل تحت أسمائها الصريحة منذ أيام الاستعمار البريطاني وحتى هذه المرحلة، لذا فإن الحركات الدينية وعلى غرار الحركات القومية واليسارية في منطقة الخليج العربي عملت من ضمن نواد وجمعيات، على أساس أنها منظمات أهلية ذات نشاط ثقافي إجتماعي ديني. إلا أنها مثلت واجهات إجتماعية أو ثقافية أو دينية لجماعات سياسية، بمعرفة السلطات وقبولها وتشجيعها أحياناً. هكذا على سبيل المثال كان النادي القومي، تلاه نادي الإستقلال (أغلق عام 1976)، واجهة لحركة القوميين العرب في الكويت قبل السماح بإنشاء المنابر.

وهكذا نشأت «جمعية الإرشاد الإسلامي» عام 1952 كواجهة لحركة الإخوان المسلمين في الكويت أيضاً، وحملت إسم «جمعية الإصلاح الإجتماعي» لاحقاً، وأصدرت مجلة «المجتمع» الأسبوعية للتعبير عن أهدافها وأفكارها. ونشأت جمعيات حملت الإسم نفسه أو مع تعديل بسيط في الإسم في كل من البحرين والإمارات (في دبي خصوصاً). لتتحول الجمعية وبعد السماح بإنشاء المنابر الى «منبر الحركة الدستورية الإسلامية» في الكويت، ووصل لها ممثلون إلى المجلس النيابي (مجلس الأمة) وشاركوا في وزارات عدة بعد تحرير الكويت من الغزو العراقي عام 1991، كذلك هو الأمر في البحرين خصوصاً.

وساهم في نشأة حركة الإخوان المسلمين في الكويت أفراد وكوادر من بلدان عربية عدة: مصر وسوريا والعراق وفلسطين وغيرها، جاؤوا إلى الكويت إختياراً أو إجباراً من بلدانهم، وعملوا في دوائرها ووزاراتها وشركاتها. إضافة إلى بعض الكوادر الكويتية التي درست في الجامعات والمعاهد المصرية وفي غيرها من جامعات ومعاهد عربية، وركزت عملها في البداية بين أفراد من الطبقة الوسطى، وتبوأ تجار كبار في البلد رئاستها، إلا أنها ومع مرور الزمن إستقطبت بعض الأفراد من قبائل الكويت المنتشرة خارج سورها المعروف. وعرفت علاقتها بالسلطة مداً وجزراً، لكنها في الغالب كانت عاملاً مساعداً لها في الوقوف بوجه المد القومي واليساري وحركاته.

ولخّص الكاتب مسيرة حركة الإخوان المسلمين في الكويت بواجهاتها المختلفة بقوله «إن حركة الإخوان المسلمين في الكويت، بخلاف الحركات السياسية السنية الأخرى، تملك تراكماً لخبرات تنظيمية وفكرية محلية وعربية تساعدها على التعامل مع المستجدات السياسية على أساس إستغلال الفرص والموازنة بين المنافع والخسائر. علماً أن ابتعاد الحركة عن تبني العنف مع السلطات المحلية وربما معارضيها من القوى السياسية الأخرى ، قد جعلها أكثر قرباً من المؤسسات السياسية المحلية».

ولخّص الكاتب مواقف مؤسسات الحكم في الخليج تجاه الحركات الإسلامية وغيرها بقوله « مع ذلك من المفيـد القـول إن مؤسسة الحـكم الكويتية على نسق مؤسسات الحكم الأخرى في الخليج، قد توظف إحدى الجماعات الإسلاموية لخدمة بعض مراميها، إلا أن ردود أفعالها، أي مؤسسة الحكم، قد تكون قاسية أحياناً إذا ما تمادى الطرف الآخر في ممارسة ضغوطه أو تجاوز الحدود المسموح بها». والأمثلة في هذا المجال كثيرة، خصوصاً بعد التطرف الذي تفشى بين تنظيمات إسلامية في مصر والجزائر وغيرها.

لم تبق ساحة العمل التنظيمي والوعظي الإسلامي حكراً على جماعة الإخوان المسلمين في منطقة الخليج العربي، بل تبعها ولحقها محاولات تنظيمية للحركة السلفية، وللحركات التي تكونت في أوساط شيعة الخليج. ففي عام 1981 تم إنشاء أول جمعية للحركة السلفية في الكويت تحت اسم «جمعية إحياء التراث». وذكر أحد أبرز المؤسسين فيها السيد خالد سلطان العيسى «إن الدعوة السلفية تهدف في شكل رئيس وأساس إلى العمل للرجوع إلى كتاب الله وسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم – واقتفاء السلف الصالح ، وهي ليست حركة سياسية هدفها السياسة، إلا في ما يخدم الدعوة نفسها».

إلا أن الملاحظ ومن خلال التطبيق العملي في مسيرة هذه الحركة، وبحسب ما جاء في الكتاب؛ أنها عملت وبحركية نشطة في الأوساط نفسها التي عملت حركة الإخوان المسلمين في أوساطها، واستطاعت استقطاب كوادر مهمة من أوساط الطبقة الوسطى، بما فيهم التجار.

هكذا يمكن القول إن الحركة السلفية في الكويت عملت من ضمن منظورين لم يختلفا عما عداهما من حركات دينية في الخليج العربي وغيره، هما الدعوة والوعظ وإنشاء المؤسسات الخيرية والشركات والبنوك وغيرها، كذلك ممارسة العمل السياسي ضمن الحدود المسموح بها علناً من قبل السلطات الرسمية. ومع أن انشقاقاً حصل داخل جماعة السلف في الكويت، قسم الحركة إلى قسمين، فإن الجماعة استمرت ناشطة ولها حضورها الفاعل داخل مجتمعات الخليج العربي.

وفي عام 1991 وبعد إنشاء المنابر في الكويت، حملت الحركة السلفية إسم «منبر التجمع الإسلامي الشعبي» وفاز لها أعضاء عدة في الإنتخابات النيابية، وشارك قياديون منها في الحكومات الكويتية المتعاقبة بعد التحرير.

أما في أوساط شيعة البلدان العربية الخليجية، والذين يعتبرون أقلية عددية قياساً بالسنة فيها، فقد نشأت جمعيات وتنظيمات تشابه ما تم لدى السنة، وكان لحزب الدعوة الإسلامي الذي نشأ في العراق دوره وتأثيره في منطقة الخليج العربي، ونشأت فروع له في ستينات القرن الماضي وسبعيناته في البحرين والكويت وغيرهما.

إلا أن المتغيرات السياسية في المنطقة، وقيام الثورة الإيرانية في نهاية سبعينات القرن الماضي بطروحاتها العقائدية والتغييرية، أدى إلى منع النشاط العلني لحزب الدعوة في المنطقة، مع استثناء نسبي ومحدود في الكويت. مع ذلك فإن الدينامية التي أوجدتها الثورة الإيرانية وسقوط نظام الشاه بالتزامن مع نمو حالات من التطرف في المنطقة أدت الى نشوء تنظيمات كحزب الله وجماعات الجهاد الإسلامي والجماعات الشيرازية وجماعة السفارة البحرينية – جماعة تعتقد أن المهدي يبعث له سفيرا يقوم بالتبليغ عنه – وقد تبنى بعضها مبدأ العنف في صراعه مع السلطات القائمة، لكن هذا الصراع هدأ أو تلاشى في بعض تلك الدول». علماً أن الأمر وفي غالبه مال إلى السماح للجماعة الشيعية بإنشاء جمعيات علنية وإقامة منابر خاصة بالجماعة، شاركت وتشارك في العملية السياسية.

وأوجز الكاتب ملاحظاته على أداء حركة الإخوان المسلمين والحركة السلفية في البحرين ، بقوله» تفتقر حركة الإخوان المسلمين البحرينية، على غرار الحركة السلفية البحرينية إلى خطاب سياسي متماسك وواضح في ما يتعلق بمسائل الشأن العام. أضف إلى ذلك ان قضايا الإصلاح والدمقرطة والتحديث بمفهومه العام لم يكن يوماً على أجندتهم المعلنة. إلى ذلك تفتقر قياداتها الجديدة للخبرة التنظيمية والتنظيرية والسمات الكاريزمية، وتتبنى مواقف بعيدة عن مواقف الدولة أو مخالفة لها كما هي الحالة الكويتية وهذه العناصر مجتمعة أضعفت الموقف السياسي العام لحركة الإخوان المسلمين البحرينية».

في ما يتعلق بالعنف والإرهاب والأنظمة، وموقف بعض الحركات الإسلامية في الخليج العربي منها، فإن الكاتب يسجل أن في الوقت الذي بدت القوى السياسية العربية، بما فيها بعض تلك القوى الإسلامية كحزبي الدعوة والإخوان، أكثر نزوعاً نحو تبني أساليب المقاومة والعمل السياسي السلمي، نزعت القوى الجديدة من الجماعات الإسلامية إلى توظيف العنف وأساليبه لتحقيق أهدافها المعلنة والمستترة، أضف أنها بدت أكثر ضيقاً بالآخر السياسي والديني».

يضيف « بكلام آخر، إن المراقب لمواقف قوى الإسلام السياسي في الخليج- بعضها على الأصح – يلاحظ تحولا في طبيعة الجماعات الإسلامية وعلاقتها بمؤسسات الحكم في الخليج. فاتجاهات هذه الجماعات الجديدة هي في طور التحول من حالة التحالف مع مؤسسات الحكم إلى العمل على مناهضتها، أضف أن بعضها على الأقل، أو تلك الجماعات المنفلتة من تحت عباءتها، يدعو علناً للإطاحة بالأوضاع القائمة، وما العمليات الإرهابية التي قامت بها هذه الجماعات (...) إلا تعبيراً عن هذه المواقف في واقعها العملي».





المصدر: موقع الجمل
9 فبراير 2008



 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها