مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

بعض من سنوات الحركة الإسلامية الشيعية في البحرين (3 - 6) - د. منصور الجمري

طباعة PDF



بعض من سنوات الحركة الإسلامية الشيعية في البحرين (3 - 6)

لندن: مركز للتجمع والتفرق

 


نتواصل في هذه الحلقة لنلقي مزيدا من الأضواء على سنوات الثمانينات من القرن الماضي لما لتلك الفترة من آثار كبيرة على مسيرة الحركة الإسلامية الشيعية في البحرين ولأهمية ما كان يجري في لندن فإن تسليط الضوء على جانب من المجريات التي مرت بها المجموعة اللندنية التي كانت تتحرك في إطار حزب الدعوة الإسلامية ولاحقا باسم حركة أحرار البحرين الإسلامية يخدم الغرض الأساسي من استعراض مسيرة الحركة الإسلامية الشيعية في البحرين.

البحرينيون الملتزمون دينيا كانوا يجتمعون مع آخرين من بلدان أخرى ويعملون في عدد من النشاطات الدينية والثقافية والطلابية، وكانت أول مؤسسة شيعية جمعت البحرينيين في لندن هي رابطة الشباب المسلم.

رابطة الشباب المسلم "MYA"

تأسست "رابطة الشباب المسلم" في منتصف الستينات من القرن الماضي في "1966" على يد مجموعة من الملتزمين، بينهم اثنان من البحرينيين وعدد من العراقيين والكويتيين والخوجة "وهم الهنود الشيعة الذين عاشوا في إفريقيا قبل الانتقال إلى لندن"، والايرانيين.

المجموعة الشبابية لم تكن بحاجة إلى تمويل كثير لأن النشاطات كانت عبارة عن اجتماعات لتداول الأفكار التي يهتم بها الشباب المتدين في لندن، ولكن رابطة الشباب المسلم، واختصارها باللغة الانجليزية "MYA" سرعان ما تصاعد نفوذها وأصبحت خلال سنوات قليلة أهم جمعية طلابية تجمع الشباب الشيعة في لندن، وأصبح لها نفوذ واسع و"مركزية" توجيه النشاطات في مختلف انحاء بريطانيا وايرلندا ولاحقا أوروبا، قبل أن يأفل نجمها في منصف الثمانينات.

بداية، اجتمع الشباب في منزل لاحدى العوائل الشيعية الثرية، وهي من الايرانيين الذين تربطهم علاقات وثيقة بعلماء الدين في النجف الأشرف وقم المقدسة. ولكن الشباب الايرانيين الذين كانوا يحضرون الاجتماعات كانوا أيضا متأثرين بأفكار علي شريعتي، وشريعتي كان "وربما مازال" مغضوبا عليه من قبل عدد من علماء الدين في قم. أدى ذلك لانتقال المجموعة الشبابية إلى شقة أحد الكويتيين، ولاحقا تبرعت مجموعة من تجار الكويت بالمال المطلوب لشراء مقر لرابطة الشباب المسلم يقع في منطقة "جلسي" الثرية الواقعة جنوب مركز لندن.

بعد فترة اختلف الشباب الإيرانيون مع العراقيين، وخرج الإيرانيون من الرابطة وكونوا لهم كيانا خاصا بهم. الهنود الخوجة أيضا أصبحوا مواطنين بريطانيين واسسوا لهم مراكز خاصة بهم، ولكنهم ابقوا على اتصالهم برابطة الشباب المسلم.

بقي في الرابطة الشباب العراقيون والبحرينيون والكويتيون، ومع الزمن تحولت الرابطة إلى أحد أهم مواقع العمل التي يعتمد عليها حزب الدعوة الإسلامية الذي كان ينشط في بلده الأم "العراق" وأيضا في الكويت والبحرين.

الثورة في إيران

وفي العام 1979 انتصرت الثورة الإسلامية في ايران، وبدأت الانظار تتوجه إلى العراق، والوضع العراقي بدأ يتأزم، وعليه تحركت المجموعة الموجودة في الرابطة سياسيا على المستوى العراقي. وكان تحركها الأولي باسم "حركة التحرر الإسلامية في العراق" لانه كان هناك حزب الدعوة الذي لم يقرر التحرك علانية بعد، وكان هناك فيصل منشق عن حزب الدعوة اسمه "حركة جند الامام"، والمقصود بالامام هنا هو الامام المهدي "ع".

هذه المجموعة كانت قد أخرجت أول مظاهرة ضد نظام حزب البعث في ابريل / نيسان 1979 في لندن وكان البعثيون يسيطرون على الجمعيات الطلابية العربية في بريطانيا، وحضورهم كان مكثفا. وفي يوم التظاهرة في "هايد بارك" احتشد البعثيون وانهالوا على المجموعة الشبابية ضربا، واثناء العراك انفك لثام عدد من المتظاهرين ليتبين أنهم بحرينيون وكويتيون وعراقيون.

بعد عام من هذا النشاط الموجه ضد الحكومة العراقية، قرر حزب الدعوة الإعلان عن نفسه بعد أن تسلم صدام حسين الحكم، وثم قام بإعدام الامام محمدباقر الصدر في ابريل 1980 وجميع قيادات وكوادر حزب الدعوة المعروفين لدى أجهزة الأمن العراقية. غير أن تحرك الحزب باسمه يتطلب إلغاء مسمى "حركة التحرر الإسلامية في العراق"، وهو ما رفضه الفصيل المنشق عن حزب الدعوة، أي "حركة جند الامام". وعليه حدثت خلافات أدت في النهاية إلى اخراج وإغلاق مسمى الحركة المشتركة، ليتسلم الحزب جميع الامكانات لوحده.

انشقاق الخليجيين عن العراقيين

هكذا تصاعدت الانشقاقات في أهم جمعية شيعية في بريطانيا. فبعد أن خرج الايرانيون وجمد الهنود انفسهم، تم اخراج مجموعة من العراقيين من الرابطة. واستمر العمل ضمن مجموعة من العراقيين والبحرينيين والكويتيين "وعدد قليل جدا من السعوديين واللبنانيين". استمر هذا الأمر ثلاث سنوات حتى نهاية .1983

كانت رابطة الشباب المسلم تعقد مؤتمرا سنويا في نهاية كل عام "ديسمبر / كانون الأول من كل سنة" ويحضر هذا المؤتمر عدد كبير من الطلاب من مختلف المناطق البريطانية والأوروبية، بالإضافة إلى حضور علماء دين كبار وممثلين عن الجمعيات الإسلامية السنية "الرئيسية".

ولكن المؤتمر السنوي في ديسمبر 1983 شهد بداية انشقاق الخليجيين "الكويتيون والبحرينيون" عن العراقيين. السبب هو ما كان يحدث في الكويت آنذاك، بعد اندلاع الحرب العراقية - الايرانية، ووقوف الحكومة الكويتية مع الحكومة العراقية. حزب الدعوة في الكويت كان يحتوي على كويتيين وايضا على عراقيين مهاجرين ومجموعة من فئة "البدون".

العراقيون في الكويت اتهموا الحكومة الكويتية بتسليم عدد منهم إلى العراق، وبدأوا في تحرك مضاد للحكومة الكويتية، وصل إلى حد اتهام الكويت مجموعة من العراقيين بمحاولة اغتيال أمير البلاد.

اعضاء حزب الدعوة العراقيون في الكويت قالوا إنه ليست لهم أية علاقة بما حدث وانهم تم تلبيسهم التهمة للقضاء عليهم وانه لم يكن هناك أي قرار من الحزب لمواجهة الحكومة في الكويت.

على أية حال، اعضاء حزب الدعوة العراقيون في لندن قرروا اخراج مظاهرة ضد السفارة الكويتية في لندن، وهو الأمر الذي عارضه أعضاء الحزب الكويتيون والبحرينيون.

فالكويتيون أساسا هم في مأمن من الصراع مع حكومتهم، ومعظمهم تجار يضطلعون بتمويل الأنشطة الثقافية والاجتماعية بشكل سخي. ولذلك فإن اخراج مظاهرة ضد السفارة الكويتية يعتبر تحركا مرفوضا من قبلهم.

اشتد الخلاف اثناء انعقاد المؤتمر السنوي، وكان السيدمحمدحسين فضل الله هو ضيف الشرف ذلك العام، وكان من بين الحضور اثنان من قيادات حزب الدعوة البحريني الذين هربوا إلى لندن بعد أن بدأت أجهزة الأمن تعتقل كوادر الحزب في نهاية العام .1983

حاول السيدفضل الله حل الخلاف بين العراقيين والخليجيين، ولكن محاولته لم تنجح، وقام العراقيون باستئجار حافلة كبيرة جاءت إلى مقر المؤتمر السنوي وملأته بالعراقيين وانطلقت نحو السفارة الكويتية في لندن للاعتصام امامها. والسيدفضل الله كان ينصح الجميع بابعاد المؤتمر وابعاد رابطة الشباب المسلم عن التحرك السياسي، وان يحافظوا على وحدة الصف، ولكن الحماس من قبل العراقيين كان يتصاعد، ولم تنفع نداءات التهدئة.

قبل المؤتمر بيوم أو يومين، اجتمع البحرينيون والكويتيون في مؤتمر مصغر خاص بهم، وبدأوا في تنظيم نشاطات منفصلة "استمر تنظيم المؤتمر في السنوات اللاحقة تحت اسم "الرحلة الخليجية"، وبعد ذلك تحت اسم "الرحلة" فقط بعد ان انفصل الكويتيون عن البحرينيين في التسعينات".

عودا إلى ما حدث في مؤتمر رابطة الشباب المسلم في نهاية ،1983 فقد شعر الخليجيون ان عليهم الخروج من التشكيل الذي يربطهم مع العراقيين لان قضيتهم أصبحت معقدة، ولأن العراقيين في لندن لم يعودوا شبابا أو طلابا، وانما جالية مهاجرة لها متطلباتها المختلفة جدا عن متطلبات شباب يعيشون من أجل الدراسة وثم يعودون إلى بلادهم.

ما بين 1984 و1986 اشتد الخلاف بين الخليجيين والعراقيين بشأن السيطرة على رابطة الشباب المسلم. فمنذ العام 1981 بدأت الرابطة تنتقل إلى مكان مرموق في قلب العاصمة البريطانية في لندن، والمكان الجديد عبارة عن ثلاثة مبان مرتبطة مع بعضها بعضا تقع بالقرب من "متحف الشمع" الشهير جدا. ومثل هذا الموقع الاستراتيجي أصبح محور الخلاف... لأن من يسيطر عليه يصبح صاحب النفوذ الأوسع.

البحرينيون كانوا يتجمعون في "غرفة رقم 40" ولكن المباني الثلاثة فيها من الشقق والغرف الكثيرة جدا... والجميع كان ينتظر اجتماع الجمعية العمومية للتعبير عن رأيه. وعندما اجتمعت الجمعية العمومية في العامين 1984 و1985 اكتشف الخليجيون انهم يشكلون نحو 20 في المئة فقط وبالتالي فإن جميع القرارات التي يودها حزب الدعوة "فرع العراق" يمكن تمريرها بغالبية 80 في المئة.

اجتمع الكويتيون والبحرينيون وانسحبوا من الاجتماعات، وبدأت بعدها الخلافات تتصاعد. فالكويتيون الذين تبرعوا بالمال بدأوا يطالبون بعودة استثمارهم اليهم، والبحرينيون الذين كان يقع عليهم العمل الشاق في جميع الأنشطة كانوا متحالفين مع الكويتيين ويودون أن يكون التصويت بحسب نظام متساو من "الكوتا".

العراقيون رفضوا كل ذلك، وتصاعد الأمر في يونيو / حزيران 1986 عندما قرر الكويتيون والبحرينيون اخراج العراقيين بالقوة.

فبينما كانت الساعة تقترب من السادسة صباح أحد الأيام الحارة جدا في لندن، وإذا بالبحرينيين والكويتيين يبدلون الاقفال ويقطعون الهواتف ويسيطرون على المباني الثلاثة. وفي ذلك اليوم "الانقلابي" كان من يحاول دخول المباني يراها موصدة، ومن يود الخروج يستطيع الخروج ولكن من دون العودة إلى المباني.

استمر "احتلال" الخليجيين للمباني الثلاثة حتى الساعة التاسعة والنصف مساء، عندما هجمت مجموعة كبيرة من العراقيين على المباني وكسرت أبوابها وطردت الخليجيين منها.

المباني المجاورة شاهدت معركة تجري بالقرب منها فاتصلت بالطوارئ، وما هي الا نصف ساعة وإذا بشرطة "سكوتلندا يارد" ومجموعات كبيرة من قوات الأمن تقتحم المكان لفك الاشتباك وتحذير الجميع بانه "لن يسمح لأحد بان يعكر الصفو".

خرج الخليجيون من المباني إلى غير رجعة، فيما بقي العراقيون فترة وجيزة. وفي الاثناء أسس البحرينيون جمعية خاصة بهم، اطلقوا عليها لاحقا اسم "دار الحكمة"، بينما قام الكويتيون بحل الرابطة قانونيا وإعادة تشكيلها باسم "مؤسسة الابرار"... وبعد نحو خمس عشرة سنة من الخلافات القانونية قامت المؤسسة الجديدة بتجهيز المباني الثلاثة لبيعها "بعد أن أغلقت طوال تلك السنوات" وافتتحوا لهم مقرا آخر في غرب لندن.

افتراق الكويتيين عن البحرينيين

في اغسطس / آب 1990 قام صدام حسين بغزو الكويت، وبعد ذلك تغير كل شيء لدى الكويتيين الذين مروا في تجربة عسيرة جدا ادت إلى تغير قناعاتهم في كثير من الأمور.

ولكن قبل الغزو، كانت الساحة الشيعية في الكويت تتفتت بين عدة اتجاهات. فحزب الدعوة قارب على الانقراض، وظهرت جماعات اخرى تتحدث عن اتباع "خط الامام"، ولكنها ايضا تفتتت إلى اجزاء عدة.

كما ان قوة الكويتيين اضمحلت كثيرا بسبب الغزو العراقي لبلادهم، واختلفت اهتماماتهم. وفي ظل الاختلافات السياسية الكثيرة اتجه تجار الكويت للتحالف مع مراجع الدين الذين يناسبونهم بصورة مباشرة. وكان من أكثر الشخصيات التي توجهت لها انظار الشخصيات الكويتية هو السيدمحمدحسين فضل الله. وهذا سبب خوفا لدى الآخرين الذين يجدون في فضل الله منافسا لهم وخصوصا إذا توجه الكويتيون بأموالهم نحوه. ليس مستغربا إذا ان تشن حملة تسقيطية ضد فضل الله واتهامه بالخروج عن الملة والدين واصدار الكتب والمنشورات ضده بمناسبة أو من دون مناسبة.

الكويتيون في لندن لم يعودوا كما كانوا في السابق، ومع الأيام أصبح البحرينيون لوحدهم في مؤسسة خاصة بهم. ومع الأيام نشط البحرينيون في الشأن السياسي البحريني، وظهرت آثارهم اثناء حوادث التسعينات من القرن الماضي.

الالتقاءات والافتراقات في لندن ساهمت بشكل مباشر في تشكيل التوجه للمجوعة البحرينية اللندنية التي كانت قد بدأت التحرك سياسيا باسم "حركة احرار البحرين الإسلامية" فبعد انحلال التحالفات مع الآخرين، ازداد تركيز المجموعة اللندنية على الشأن البحريني فقط، وتوجهت جهودهم لانشاء ارشيف يجمع الوثائق التاريخية من مصادر مهمة، وركز عدد من البحرينيين على دراسة تاريخ البحرين بعد جمع الوثائق وكان هناك توجه لانشاء مركز متخصص للبحوث التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية بشأن البحرين... هذا التوجه المجموعة اللندنية على قيادة النشاط السياسي في التسعينات... وفي ذلك تفصيل آخر



المصدر: صحيفة الوسط البحرينية
19 أغسطس 2008




 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها