مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

الخلل السكاني.. من يتصدى لإصلاحه؟! - محمد الخليفي

طباعة PDF



الحديث عن الخلل السكاني حديث متجدد، وتأثيره السلبي واضح للعيان لا تحتاج إلى كثير بيان، يمكننا أن نشير إلى أن تماسك المجتمع يعتمد على مدى التشابه والتقارب بين مكوناته البشرية في لغتهم ودينهم وغير ذلك من عناصر الثقافة، إضافة إلى التقارب في مستواهم الاقتصادي، وفي حصولهم على حقوقهم الاقتصادية والسياسية.
وعلى هذا الأساس فإن مجتمعاً مكوناً من أقليات، ويختلفون في كثير من مكونات هويتهم، ويرتبط تاريخهم ومصيرهم بمجتمعات أخرى لا يمكن أن يكون مجتمعاً متماسكاً. وإذا أضفنا إلى ذلك أقلية أخرى تمتاز في جوانب كثيرة -أو حتى تشعر أنها كذلك- على معظم تلك الأقليات لكونها مواطنة، وفي الوقت نفسه بدأت (الأقلية المواطنة) في الفترة الأخيرة تشعر بالظلم نتيجة تمتع بعض من تلك الأقليات بمستويات معيشة هي من أحلام المواطن!! فأنى لمثل هذا المجتمع أن يحلم بالتماسك الاجتماعي؟! على فرض أن ثمة مجتمعاً!!
وإذا كان لنا أن نستشهد بآخرين على الأثر السلبي للخلل السكاني، فحسبنا اللجنة الدائمة للسكان التي تؤكد في تقريرها الأول (أكتوبر 2010) على «أن عدد هذه العمالة الكبير بات من العوامل المؤرقة من حيث تأثيراته السلبية في مختلف الجوانب الاجتماعية والثقافية والسكانية». ووضعت لها غاية أساسية، ضمن غايات أخرى، هي «تصحيح اختلال التركيبة السكانية، بما يؤدي إلى زيادة نسبة المواطنين بين مجموع السكان».
وسوف نحاول في هذا المقال أن ننظر في أصل الخلل السكاني وتفاقمه.
يعود أصل الخلل السكاني في قطر إلى التغيرات التي طرأت على طبيعة وحجم قوة العمل، والتي نتجت عن مجموعة من العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية على إثر استخراج النفط وتصديره.
ولعله من المفيد ونحن ننظر في أصل الخلل أن نؤكد على أن المجتمع القطري لم يكن يعرف في مرحلة ما قبل النفط خللاً سكانياً كالذي لحق به بعد تصدير النفط، ووصل إلى الحال الذي نعيشه الآن. إن التغير السكاني الذي خبره المجتمع القطري في مرحلة الغوص هو تغير طبيعي. فالهجرات التي شهدتها شبه جزيرة قطر كانت في معظمها هجرات مؤقتة خصوصاً من شبه الجزيرة العربية، ارتبطت بفترة الغوص، وكانت تعود أدراجها بعد انتهاء موسمه. أما الهجرات التي استقرت فيها فإنه تم استيعابها واندمجت في المجتمع، ولم يشكل حجمها أي خلل على التركيبة السكانية، كما لم تؤثر على طبيعة النشاط الاقتصادي الذي يمارسه معظم السكان.
إن المتتبع لنمو السكان في قطر في تلك المرحلة سوف يلاحظ أنه كان نمواً طبيعياً تحكمه عوامل النمو الطبيعي من ميلاد ووفاة، ويتأثر بالعامل الاقتصادي المتمثل في عوائد الغوص. وتشير أقدم التقديرات (العثمانية) إلى أن سكان قطر في الربع الأخير من القرن التاسع عشر (عام 1872م) كانوا يناهزون العشرة آلاف نسمة. وفي بداية القرن العشرين (عام 1907) قدرهم لوريمر بنحو 27000 نسمة. وأقصى عدد وصل إليه السكان في تلك الفترة كان 30000 نسمة، وذلك في عام 1930 م. لكن مع نهاية الثلاثينيات حدث انخفاض متتابع كبير في عدد السكان، حيث انخفض عدد السكان إلى 27 ألفاً في سنة 1939 ثم إلى 25 ألفاً في 1940 ثم إلى 16 ألفاً في عام 1949. وهو انخفاض نتج عن الهجرة (من قطر إلى الخارج) بسبب سوء الأحوال المعيشية نتيجة تدهور مهنة الغوص (المصدر الوحيد للعيش)، وظهور مناطق جذب سكاني خارج قطر، في البحرين، والسعودية.
لكن على إثر استخراج النفط في قطر، وما تبع ذلك من استغلال لعائداته في مشاريع اقتصادية واجتماعية ونحوها، عاد عدد السكان إلى الزيادة، فارتفع من 16 ألف نسمة عام 1949 م إلى 20 ألف نسمة سنة 1950 م ثم إلى 60 ألف نسمة عام 1960، وفي عام 1970 بلغ عدد السكان 111 ألف نسمة. وفي عام 1986 بلغ عدد السكان 369 ألفاً، وفي عام 1979 بلغ السكان 522 ألف نسمة وفي 2004 وصل عدد السكان 744 ألفاً، وفي عام 2010 بلغ عدد السكان 1.699.435، حتى وصل في 31 مايو 2011 إلى 1.703.448 نسمة «وهو بذلك يتخطى معدلات النمو السكاني في الدول المتقدمة والدول النامية والبالغة (%0.8) و(%1.9) على التوالي».
هذا النمو السكاني المتصاعد يعود بصورة أساسية إلى الهجرة الوافدة إلى المجتمع. وتكشف الإحصاءات أن نسبة عدد السكان القطرين قد انخفضت من %40.5 في عام 1970 لتصل إلى %24.9 في سنة 2004. ثم لتنحدر إلى %13 تقريباً في عام 2011.
ونحن إذ نرصد التغيرات التي طرأت على طبيعة وحجم قوة العمل فإنه جدير بنا أن نشير إلى نقطتين هامتين: الأولى هي أن قوة العمل القطرية التي كانت تعمل في مهنة الغوص انتقل معظمها إلى العمل في شركة النفط. الثانية هي أن قوة العمل القطرية التي انتقلت للعمل في شركة النفط تميزت بخاصيتين من حيث الكم والكيف، فهي من جانب قليلة العدد مقارنة بحجم الطلب على قوة العمل في القطاع النفطي، ومن جانب آخر تنقصها المعرفة والخبرة بالعمل في هذا القطاع، لذلك تركزت في الأعمال غير الفنية، وقليلة الأجر.
ويبدو أثر هاتين الخاصيتين في التغير الذي طرأ على حجم مساهمة قوة العمل القطرية في قطاع النفط. فبعد أن كانت نسبتهم تتجاوز %80 في مرحلة الامتياز (النصف الثاني من ثلاثينيات القرن العشرين)، انخفضت في مرحلة التنقيب والاستخراج (النصف الثاني من أربعينياته)، لتصل إلى %65.9 في عام 1947، ثم إلى %60.1 في 1950 حتى وصلت إلى %51.0 في عام 1960. وهو انخفاض يعود في الأساس إلى تزايد الوافدين نتيجة لتوسع أعمال شركة النفط من جانب، والحاجة إلى فنيين لا توفرهم العمالة المواطنة من جانب آخر.
إن التحول من مجتمع الغوص، الذي كان يعاني في سنواته الأخيرة من تدهور في عائداته، إضافة إلى العمل الذي يتطلبه، إلى مجتمع نفطي يعتمد على وسائل حديثة ويتطلب مهارات متنوعة، ويحقق عائداً ثابتاً للأفراد، وضخماً للحكومة مقارنة بعوائد الغوص، قد أثر بالتالي على طبيعة الإنفاق العام والخاص فظهرت أنشطة اقتصادية (في التعليم والصحة والإدارة.. إلخ) لم تكن معروفة في السابق أو محدودة نتيجة لمستوى المعيشة السائد في تلك الفترة، فبدأ الخلل نتيجة تلاقي هذين العنصرين، الأول هو التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي أحدثها تدفق عائدات النفط. والثاني هو ضعف قوة العمل القطرية من حيث الكم والكيف. ويمكننا أن نضيف عنصراً ثالثاً تمثل في الطابع المفاجئ لهذه التغيرات التي نقلت المجتمع من وضع إلى آخر مختلف بصورة تامة وفي فترة قياسية..
والخلل السكاني مثل أي خلل يصيب أي مجتمع قابل للمعالجة والإصلاح، وكان يمكن أن يعالج لو شكل هاجساً لدى صناع القرار ومتخذيه. ولأنه لم يكن كذلك فقد تفاقم لمجموعة من الأسباب (سوف نعرضها في مقال لاحق) بحيث تزايدت أعداد الوافدين، مثلها مثل كرة الثلج تكبر بفعل التدحرج وتدمر كل ما يقف في طريقها. فمن يوقفها؟!
ولأنه لم يوقفها أحد!! «ارتفع حجم القوى العاملة في دولة قطر بوتائر متسارعة حيث زاد من 201.182 فرداً عام 1986 إلى 444.133 عام 2004 وإلى 831.886 عام 2007 ثم قفز إلى 1.265.432 عام 2009، [أي] تضاعف أكثر من ست مرات خلال نحو عقدين من الزمن. ففي حين ازداد حجم القوى العاملة مرة واحدة خلال 18 سنة (1986 – 2004) تضاعف ما يقرب من ثلاث مرات خلال خمس سنوات (2004 – 2009).. مما أدى إلى اختلال كبير في القوة العاملة حتى وصلت نسبة غير القطريين إلى %94 من مجموع النشطين اقتصادياً عام 2009». وبحسب نتائج التعداد العام للسكان 20/10/2010 بلغ إجمالي قوة العمل 1.275971 منهم 1.118.676 ذكور و157.295 إناث، يشكل القطريون منهم 74.087 أي ما نسبته %5.8!!
إن إصلاح الخلل السكاني هو في الواقع إصلاح لتركيبة قوة العمل، وهو مسؤولية مجتمعية. فمتى يتم التصدي لهذا الخلل، ومتى يتم تحمل المسؤولية؟!



المصدر: صحيفة العرب القطرية
20 يوليو 2011






الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها