مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

الخلل السكاني.. قراءة في السياسة السكانية لدولة قطر (2 – 2 ) - محمد الخليفي

طباعة PDF




بعد انقضاء سنة من انطلاق السياسة السكانية أصدرت اللجنة الدائمة للسكان تقريرها الأول الذي رصدت فيه «التقدم المحرز في تنفيذ هذه السياسة عبر مجموعة من المؤشرات النوعية التي تم اعتمادها كأدوات لتحديد نسب التنفيذ..». وسوف تقتصر مناقشتنا للتقرير على الجوانب ذات العلاقة بالخلل السكاني. وهنا أيضاً أود أن أكرر تقديري للجهود التي بذلت في إعداد السياسة السكانية، وتلك التي قامت بها مجموعات العمل، وبأنها تظل كأي عمل إنساني قابلة للنقاش، وبالتالي للتحسين والتجويد.
يعرض التقرير محاور وأبعاد السياسة السكانية في ثلاثة جوانب: الإنجازات والتحديات والأولويات.
صُنفت المؤشرات الدالة على الإنجاز إلى (موجود) و(غير موجود)، وصنف المؤشر الموجود إلى ثلاث مراحل بحسب طبيعة وجود المؤشر. ويكشف الجدول التالي ما أنجز من تلك المؤشرات.

الأبعاد عدد المؤشرات بحسب واقعها الفعلي % الإنجاز
موجود في طور غير موجود
التنفيذ التشريع التخطيط
النمو السكاني 6 - - 7 46.1
التركيبة السكانية 3 - - 3 50.0
القوى العاملة 5 - 4 2 81.8


ثم يتناول التقرير التحديات التي تواجه تنفيذ السياسة السكانية، والأولويات التي ينبغي تنفيذها في المرحلة الثانية.
وكما بينت سابقاً تفتقد السياسة السكانية العرض الكمي لمكوناتها، كما تفتقد الانسجام والاتساق بين الأهداف والوسائل والغايات. كذلك أيضاً فإن الإنجاز وإن كان يقاس من خلال وجود المؤشر من عدمه، إلا أن ذلك يظل متوقفاً بصورة أساسية على دقة المؤشرات وفاعليتها وكفايتها في تحقيق الهدف الذي يؤدي إلى الغاية الرئيسية.
لقد وضعت السياسة السكانية هدفاً يقول: «تشجيع الشباب على الزواج وتسهيل إجراءاته»، من أجل الوصول إلى الغاية الرئيسية في «زيادة المعدلات الحالية للنمو السكاني الطبيعي للمواطنين..» ووضعت له مجموعة من الوسائل: «تسريع وتسهيل إجراءات الحصول على الأرض وعلى قرض لبناء السكن» و»الإسراع في اعتماد صندوق الزواج»، و»توعية الأسر بخفض المهور»، ثم حولت هذه الوسيلة في صيغة مؤشر يدل على التحقق فصاغته على النحو التالي «وجود تشريعات لتسريع وتسهيل الحصول على الأرض وعلى قرض لبناء السكن»، و»وجود صندوق زواج»، و»وجود حملات توعية للأسر بضرورة خفض المهور».
ثم بحثت: هل مثل هذه التشريعات موجودة على أرض الواقع؟ هل يوجد صندوق زواج؟ هل توجد حملات توعية للأسر بضرورة خفض المهور؟ فوجدت التالي: (قرار مجلس الوزراء رقم (4) لعام 2008، ويتضمن قواعد وإجراءات منح المنتفع بنظام الإسكان المبلغ المخصص لشراء الأرض وقرض الإسكان)، (جهود أهلية لتزويج الشباب كمشروع إعفاف الذي تنفذه مؤسسة راف) و(فعاليات يقوم بها مركز الاستشارات العائلية إضافة إلى بعض أئمة المساجد) فعدت قرار مجلس الوزراء دليلاً على وجود المؤشر ولم تعد ما تقوم به مؤسسة راف دليلاً، ولا فعاليات مركز الاستشارات العائلية ولا ما يقوم به بعض أئمة المساجد دليلاً على وجود المؤشر!! وعلى هذا الأساس قدرت نسبة الإنجاز بأنها تعادل %33.0 من الخطوات المؤدية إلى الهدف.
والوقع أن استخدام الأرقام على هذا النحو هو نوع من سوء إدارة الأرقام إذا جاز لنا التعبير، بل ويسميه البعض تضليل الأرقام.
لو افترضنا جدلاً أن هناك صندوق زواج، وأن هناك حملات توعية في الإذاعة والتلفزيون والصحافة وعبر المساجد ومن خلال المحاضرات إلخ، فإن النتيجة ستكون: لقد حققنا %100 من مؤشرات الهدف، وبالتالي فإن الهدف (زواج الشباب) تحقق.
لكننا عندما ننظر في الغاية التي نريد من كل ذلك أن يؤدي إليها: «زيادة المعدلات الحالية للنمو السكاني الطبيعي للمواطنين»، فسوف نجدها تراوح مكانها!! ولا بد أن نتساءل: لماذا؟ والجواب هو: إننا وضعنا أهدافاً ومؤشرات غير كافية من جانب، وتقوم على الكلام وليس على الأرقام!! من جانب آخر.
فوجود تشريعات بخصوص القرض والأرض لا تكفي وحدها لكي تسهل زواج الشباب، بل لا بد من وجود خدمات كاملة (كهرباء وماء وصرف صحي) تسمح بالبناء. وهذه كما نعلم لا تتم في أقل من عشر سنوات (حسب الهمة والاهتمام!!). وبالتالي فإننا لن نصل إلى تحقيق الهدف (زواج الشباب) الذي يؤدي إلى زيادة النمو السكاني الطبيعي للمواطنين. فكيف غاب ذلك عن من وضع المؤشر؟!
والحقيقة إن الذي يريد أن يصل إلى مثل هذه الغاية فلا بد أن يحدد ابتداء النمو الطبيعي الحالي للمواطنين (رقم)، ثم يحدد حجم الزيادة المنشودة (رقم). ويحدد ثالثاً عدد السنوات التي يريد أن يحقق فيها تلك الزيادة (رقم)، وأن يحدد رابعاً أعداد الذين هم في سن الزواج (رقم)، وهل سيتأثر النمو الطبيعي (رقم) بزواجهم وكم سيتأثر (رقم)، وهل تأخر سن الزواج (رقم) على فرض وجوده هو السبب أم أن هناك اتجاهاً (رقم) لدى القطريين الشباب (رقم) نحو الإنجاب؟ وبعد أن نحدد ذلك بالأرقام نشرع في اختيار الأهداف والوسائل والآليات التي تصل بنا إلى تلك الغاية. وعندما نترجم وسائلنا إلى مؤشرات، لا نكتفي بالعبارات العامة مثل (وجود صندوق زواج) بل لا بد أن نحدد حجم أموال الصندوق (رقم)، فصندوق حجمه موارده مليون يختلف عن آخر حجم موارده عشرة ملايين أو مئة مليون. ومثل (وجود حملات توعية...) بل لا بد أن نحدد حجم الحملة بالساعة (رقم)، ولا نكتفي بوجود مثل هذه الحملات، لنظن أن ذلك يقود إلى الهدف!! بل أن نبحث في مدى تأثيرها (رقم) في تغيير اتجاهات المستهدفين منها (رقم) عبر بحوث علمية دقيقة إلخ.
لنأخذ مثلاً ثانياً من التركيبة السكانية. لقد وضعت السياسة السكانية الغاية التالية: «تصحيح اختلال التركيبة السكانية، بما يؤدي إلى زيادة نسبة المواطنين من مجموع السكان». ووضعت للوصول إليها -ضمن أهداف أخرى- الهدف التالي: «العمل على تحقيق الاندماج الاجتماعي للسكان». وحددت الوسائل التالية لتحقيق هذا الهدف: «نشر الثقافة الوطنية والتأكيد على أن الانتماء للوطن هو الانتماء الأساسي»، و»نشر مبادئ حقوق الإنسان في المجتمع، وتوفير آليات التواصل الاجتماعي بين جميع السكان». ثم حولت تلك الوسائل في صيغة مؤشرات على النحو التالي: «وجود برامج خاصة أو تربوية تهدف إلى نشر الثقافة الوطنية». «وجود برامج أو نشاطات لنشر مبادئ حقوق الإنسان في المجتمع، وتوفير آليات التواصل الاجتماعي بين جميع السكان». ثم بحثت: هل توجد هذه المؤشرات في المجتمع؟ فوجدت التالي: «الاحتفال باليوم الوطني.. والمناهج التربوية في مختلف مراحل التعليم» تؤكد على الانتماء الوطني. كما وجدت أن اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان تقوم بنشر مبادئ حقوق الإنسان وتعميمه في المجتمع..
وهكذا فالمؤشرات الدالة على الهدف موجودة في الواقع، إذن الهدف تحقق!! إذن وصلنا إلى الغاية أو نحن في طريقنا إليها. والحقيقة أنه لا الهدف يؤدي إلى الغاية ولا الوسائل تؤدي إلى الهدف!! دع عنك الأرقام!!
ولو تركنا الإنجازات جانباً ونظرنا في التحديات التي تواجهنا لتصحيح الخلل السكاني، فإننا لا بد أن نسجل بأن اللجنة قد وضعت يدها على الجرح، فالخلل السكاني يدور حول العمالة الوافدة وما أنتجها من عوامل. وقد حددتها اللجنة في التالي:
1. صعوبة الحد من استقدام العمالة الوافدة نظراً للخطط الطموحة التي تنفذها الدولة.
2. صعوبة التحكم باتجاهات القطاع الخاص نحو استقدام العمالة الرخيصة والاتجار بالعمالة الوهمية.
3. عزوف القطريين عن العمل في القطاع الخاص بوجه عام، وعن الأعمال المهنية بوجه خاص.
4. تفضيل رجال الأعمال (القطاع الخاص) العمالة ذات الأجور الزهيدة، وعدم وجود ما يلزمهم بتشغيل العمالة القطرية.
5. تعدد الجهات المعنية باستقدام العمالة الوافدة، ونقص التنسيق بينها.
6. عدم وجود قاعدة بيانات موحدة لسوق العمل.
إن الخلل السكاني نابع في الأساس من حجم الإنفاق العام وطبيعته، أي حجم وطبيعة المشاريع التي تنفذها الحكومة. ومن قطاع خاص يبحث عن خفض تكلفته فوجده في عمالة رخيصة، وبعض من المواطنين يسعون إلى الكسب بأي طريق فيلجؤون إلى تجارة وهمية، وإلى بيع التأشيرات. وقد أدى ذلك ضمن عوامل أخرى إلى عزوف القطريين عن العمل في القطاع الخاص، والاتجاه إلى العمل في القطاع الحكومي المدني والعسكري.
إن تصحيح الخلل السكاني لا بد ليؤتي أكله أن يتجه إلى هذه التحديات ويتجاوزها. وعلى هذا الأساس توضع الأولويات. وهي كما صاغتها اللجنة الدائمة للسكان ما يلي:
1. العمل مع الجهات المعنية لوضع سياسة للاستقدام تضمن الالتزام بالاحتياجات الفعلية لخطط التنمية والحد من استقدام العمالة الفائضة عن الحاجة.
2. العمل مع الجهات المعنية على ضبط عمليات استقدام الوافدين والتأكد من التزام جميع الشركات والمؤسسات بالسياسات والأنظمة المتعلقة بذلك.
3. متابعة التوجه التنموي الجديد القائم على اقتصاد المعرفة.
4. العمل على إدماج القطاع الخاص في تنفيذ سياسات القوى العاملة.
وما يمكن أن نقوله عن هذه الأولويات هو أنها تتصف بدرجة من العمومية. وجدواها يتوقف على طبيعة السياسات التي ستوضع لضبط عملية الاستقدام. إضافة إلى ذلك فإنها أغفلت عاملاً حاكماً هو حجم وطبيعة الإنفاق الحكومي. وبدون تصحيح ذلك سيظل الخلل قائماً.


المصدر: صحيفة العرب القطرية
28 يوليو 2011






الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها