مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

الخلل السكاني.. قراءة في استراتيجية قطاع سوق العمل «1-2» - محمد الخليفي

طباعة PDF




استراتيجية قطاع سوق العمل هي الإجابة الثانية التي نقدمها على سؤالنا: كيف نصلح الخلل السكاني، وسوف نحاول أن نعرض باختصار وبقدر ما يسمح المكان للعناصر الرئيسية التي تضمنتها الاستراتيجية، ثم نعلق عليها.
تقوم (استراتيجية قطاع سوق العمل) على التعليل التالي: إن النظام العالمي يقوم على «المعرفة والتنافسية»، وبالتالي فإن مستقبل أي دولة مرهون بقدرتها على الصمود والنجاح في ميدان التنافس العالمي. وهذا لن يتأتى إلا من خلال حجم ونوع «المعرفة» الذي تمتلكه الدولة. ونظراً لكون المعرفة، سواء نظرنا إليها من زاوية: «الإنتاج « أو «الاستخدام»، تعتمد أساساً على «مُنْتِج المعرفة»، أي قوة العمل التي تملكها الدولة وما تتمتع به من خبرة ومعرفة وعلم ومهارة. إذن، فإن مستقبل أي دوله مرهون بهذه القوة البشرية، «ولأن رؤية قطر الوطنية تستشرف آفاق التحول من الاقتصاد القائم على المصادر الهيدروكربونية إلى الاقتصاد القائم على المعرفة، مما يزيد من الطلب على العمالة الماهرة. ونظراً لحجم الاقتصاد القطري الكبير نسبة إلى عدد السكان فسيكون أغلب العمال المهرة غير قطريين. وبما أن العمال الأجانب يشكلون عنصراً أساسياً في الاقتصاد المستهدف، فمن المهم أن ينجح البلد في (اجتذاب التركيبة المناسبة من المهارات والاحتفاظ بها)، والأمر الذي يقتضي (توفير حوافز مناسبة وإعداد إجراءات تنظيمية لحفظ حقوق العمالة الوافدة وتأمين سلامتها)» (رؤية قطر الوطنية 2030).
ورغم وضوح أفق الاستراتيجية فيما تقدم، فإنه من المفيد سعياً للفهم أن نتابع بعض تفاصيل ذلك فنسجل: بعد أن تفرغ الاستراتيجية من تعليل نظرتها لما ينبغي أن تكون عليه قوة العمل في الدولة، تضع لها هدفين رئيسيين هما:
1. تعزيز تنمية كبيرة لرأس المال البشري: باعتبارها حاجةً ملحةً لتحقيق نمو اقتصادي مستدام وشرطاً أساسياً لانتقال قطر نحو الاقتصاد القائم على المعرفة.
2. ضمان كفاءة أكبر لسوق العمل: لتسهيل الملاءمة بين العرض والطلب على العمالة في القطاعين العام والخاص.
ثم تبدأ وصف واقع قوة العمل بالقول: إن ما تملكه قطر من قوة عمل مواطنة قليل مقارنة بما تحتاجه «في الأمد المنظور للتعامل مع النظم الاقتصادية والبنى التحتية والمتطلبات الأخرى المعقدة لنمو سريع في اقتصاد متشعب ومعقد التقنية». والحل لمواجهة هذه المشكلة - «قوة عمل صغيرة» و «اقتصاد كبير» - هو الاستعانة بقوة عمل ماهرة تُستَقدم من الخارج.
وتفصل وصفها بالقول: إن القطريين «يشكلون نسبة صغيرة في قوة العمل، لم تتجاوز نسبتهم من إجمالي قوة العمل (%6) عام 2009، مقارنةً مع (%14) عام 2001». وهم يتركزون في الدوائر والشركات الحكومية، إذ «يعمل حالياً %87 منهم في القطاع العام (%71 يعملون في الدوائر الحكومية و%16 في الشركات والمؤسسات التي تملكها الحكومة كقطر للبترول وقطر تيليكوم). ولا تصل نسبتهم في القطاع الخاص إلى (%0.4) بحسب إحصاء 2009. هذا هو واقع قوة العمل من حيث الحجم والقطاع الذي تتركز فيه، أما من حيث المهنة فقد وُجِدَ أن %53 من قوة العمل القطرية العاملة في القطاع الحكومي يشغلون مناصب قيادية (كالمشرعين وكبار المسؤولين والمديرين والمهنيين والفنيين وغيرهم من المهنيين). ونسبة الذكور بينهم منخفضة لكنها تزداد باطراد (%47 عام 2009، مقارنةً مع %38 عام 2001)، أما نسبة الإناث فهي مرتفعة لكنها تتناقص باطراد (%63 عام 2009، مقارنةً مع %67 عام 2001)». و «بالنسبة للنشاطات الاقتصادية تتركز قوة العمل القطرية كثيراً في الخدمات الحكومية (%56) والكهرباء والغاز والماء (%33) والخدمات الاجتماعية (%24)».
ولا تكتفي الاستراتيجية بالوصف، بل تحاول أن تفسر وتعلل بعض ما تصف من خصائص قوة العمل، فتُعَلّل تركز قوة العمل المواطنة في القطاع الحكومي بوجود «تصور عام بأن شروط التعليم والمهارات اللازمة للحصول على وظيفة في القطاع العام سهلة نسبياً (على الأقل قبل صدور قانون إدارة الموارد البشرية لعام 2009)». وقد أدت «هذه الفكرة بالإضافة إلى الحوافز القليلة التي تمنحها قوانين الموارد البشرية ولوائحها التنفيذية دوراً كبيراً في تناقص اهتمام القطريين برفع مستويات مهاراتهم». لذلك – هكذا تفسر الاستراتيجية - نجد أن نسبة العمال غير المهرة ونصف المهرة من إجمالي الموظفين القطريين أعلى بكثير بين موظفي الحكومة من أي قطاع آخر حيث بلغت نسبة العمال غير المهرة ونصف المهرة في عام 2009 (%17) في الحكومة، مقارنة مع %8 في المؤسسات الحكومية و%2 في القطاعات المشتركة و(%0) في القطاع الخاص». إضافة إلى ما تقدم، «يشكل الافتقار إلى المهارات والمؤهلات المناسبة وعدم وجود خبرة عمل سابقة الأسباب الرئيسية للتحديات التي يواجهها العاطلون [القطريون] (الذين يبحثون عن العمل للمرة الأولى، وتبلغ نسبتهم %2.3 في عام 2009)». علاوة على ذلك يكشف الواقع – بحسب الاستراتيجية – عن مشكلة أخرى هي أنه ليس كل الشباب القطري له «كله القدرة أو الطموح اللازمين لمتابعة تعليمه العالي والحصول على مناصب مهنية وقيادية وإدارية عليا». وفي الوقت نفسه نجد أن «فرص التدريب الفني والتأهيل المهني المتوفرة حاليا للشباب القطري الذي لا يريد متابعة تعليمه الأكاديمي أو العاطل عن العمل قليلة جدا. كما أن نسبة التسجيل الحالية في التدريب الفني والتأهيل المهني في المرحلة الثانوية منخفضة جداً مقارنة مع المعايير الدولية، أما على مستوى مرحلة ما بعد الثانوية، فلا توجد حالياً إلا كلية شمال الأطلسي الكندية، وكلية المجتمع في قطر التي ستدشن في سبتمبر 2010». ومن المشاكل التي تواجهها سوق العمل فيما يتعلق بقوة العمل القطرية هو الانخفاض السريع لمعدل مشاركة المرأة في سوق العمل بعد سن 29، رغم كل المميزات التي يمنحها القانون للمرأة. ويضاف إلى ذلك الخروج من سوق العمل في سن مبكرة (40) للقطريين الذكور.
وتعلل الاستراتيجية ذلك بـ «المزايا الجمة لنظام المعاش التقاعدي»، وتضيف إليه «سببا آخر محتملا لتقاعد القطريين الذكور مبكرا هو توافر مصادر الدخل البديلة والكبيرة، ومن بينها: (1) القانون الذي يحدد ملكية الأصول والذي يقضي بأن يملك القطريون أغلبية رأس المال في جميع الأعمال. (2) قانون كفالة الأجانب (قد يلجأ بعض القطريين لبيع تأشيرة الدخول والحصول على مبالغ كبيرة للكفالة التي يقدمونها). (3) الاستثمار في مجال الأسهم في السوق المالية والعقارات».
على الجانب الآخر يشكل الوافدون النسبة الكبيرة من قوة العمل، حيث تصل نسبتهم من إجمالي قوة العمل إلى (%94) عام 2009 مقارنة مع (%86) عام 2001. وهم يتركزون في القطاع الخاص وتتجاوز نسبتهم (%99). ورغم تركزهم في القطاع الخاص إلا أن نسبتهم في القطاع الحكومي تصل إلى (%45)، حيث يصل مجموعهم إلى (40937) منهم (35909) ذكور و(5028) إناث.
وتتصف العمالة الوافدة بأنها عمالة غير ماهرة ورخيصة الأجر، فتصل نسبة العمالة محدودة المهارة وغير الماهرة إلى (%67). أما الماهرة جداً والماهرة فهي (%17) و(%16) على التوالي. أما في القطاع الخاص فتصل نسبة العمالة محدودة المهارة (%49) وغير الماهرة (%22). ومن حيث المهنة لا يتجاوز الذين يشغلون المناصب القيادية كالمشرعين والاختصاصيين والمهنيين (%16) لسنة 2009. في حين تصل نسبة العاملين في الحرف والمهن العادية والعاملين في الخدمات والبيع إلى (%55). أما من حيث النشاط الاقتصادي فتتركز قوة العمل في قطاع الإنشاءات، حيث تصل نسبتهم إلى (%56) من قوة العمل، يليها الصناعات التحويلية (%13.8) وتجارة التجزئة (%10.9).
ومن المشاكل التي تواجهها سوق العمل «ارتفاع معدل ترك العمل من قبل العمالة الوافدة الماهرة، إذ يغادر البلاد ما يناهز نصف العدد الكلي للعمال المهرة (%16) أو الماهرة جداً (%17) (مهنيون وفنيون)عند انتهاء عقودهم مما يؤدي لفقدان الخبرات وضياع ذاكرة المؤسسة». فقد «تناقصت نسبة العمالة الماهرة من إجمالي العمال غير القطريين من %20 عام 2006 (%2 مشرعين و%12 مهنيين و%6 فنيين) إلى %17 عام 2009 (%3 مشرعين و%8 مهنيين و%6 فنيين)».
إضافة إلى ما تقدم، يعتبر قانون الكفالة من المعوقات الأساسية التي تؤثر بصورة سلبية على فاعلية سوق العمل وعلى بقاء العمالة الماهرة.
ذلك هو واقع سوق العمل في قطر كما تعرضه استراتيجية قطاع سوق العمل. ولو حاولنا أن نختصره في كلمات قليلة لقلنا: إنه سوق مجزأ بين عمالة مواطنة (%6) وعمالة وافدة (%94)، تتركز الأولى في القطاع الحكومي، ويضعف مشاركة الإناث منها في سوق العمل بعد سن (29)، أما الذكور فيغادرون العمل في سن مبكر (40). أما العمالة الوافدة فتتركز في القطاع الخاص وغالبيتها قليلة الأجر ضعيفة المهارة، أما الماهرة منها فإنها لا تستمر في البلاد.
إزاء هذا الواقع، تقترح الاستراتيجية ثماني نتائج رئيسية ومشاريع مصاحبة لها تحقق الهدفين السابقين هي:
النتيجة 1: فرص لتدريب عالي الجودة تتوفر للقطريين بحيث تلبي طموحاتهم وتناسب قدراتهم.
النتيجة 2: مشاركة أكبر للقطريين في القطاع الخاص.
النتيجة 3: قوة العمل أكثر إنتاجية.
النتيجة 4: قدرة متزايدة على توظيف العمالة الوافدة والاحتفاظ بها وتحسين بيئة عملها ومعيشتها.
النتيجة 5: تخطيط استراتيجي للموارد البشرية.
النتيجة 6: سياسات سوق عمل محسنة وإطار مؤسسي مطور.
النتيجة 7: معلومات وأبحاث محسنة عن سوق العمل في إعداد السياسات.
النتيجة 8: خدمات عالية الجودة في مجال التوظيف وتقديم الاستشارة المهنية.

 

المصدر: صحيفة العرب القطرية
10 أغسطس 2011



 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها