مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

2.4

طباعة PDF

الحراك السّياسي في الإمارات في  2011 - 2012
 

 بإمكاننا العودة إلى عام 2006 على الأقل لتتبّع بدايات المطالب الحديثة لبعض الناشطين والحقوقيين بالإصلاحات المدنيّة والسّياسيّة، ويعتبر غالبيتهم من ذوي التوجّه الإسلامي واللّيبرالي. كان من بينهم الناشط حسن الدقي، صاحب مدوّنة حقوق أهل الإمارات، ومُؤسّس منظمة حقوق الشعب الإماراتية، غير المعترف بها رسميّا. وقد سُجن بعد ذلك بتهمة أخلاقيّة في عام 2009[1]،وقد ارتفعت بعض الأصوات تتهم السّلطات بتلفيق التهمة أمنيا ولمآرب سياسيّة. وقد ظهرت في نفس الفترة تحركاتٌ لناشطين حقوقيين ومحامين بارزين، أمثال الدكتور محمد المنصوري، والدكتور محمد الركن. وأكثر ما يُميّز هذا الحراك، هو طابعه المحدود والشّخصي، فلم يكن حراكٌ منظمٌ، كما أنّه لم يُتح له أن يُوّلد تعاطفاً شعبيّاً أفقيّاً. ولكن تبقى تلك طبيعة البدايات.
 

 مع تفجّر الانتفاضات العربيّة في عام 2011، وصلت آثار الاحتجاجات إلى الإمارات، حيث وقّعت مجموعةٌ من النّخب الوطنيّة، ومن مختلف التّيارات الفكريّة، على عريضةٍ مرفوعة إلى رئيس الدّولة، تُطالب بإصلاحاتٍ وتعديلات دستوريّة ذات صلة بالمجلس الوطني الاتحادي"البرلمان"، وبما يكفل له الصّلاحيّات التّشريعية والرّقابيّة الكاملة، وجعله منتخباً من قبل المواطنين كافة، وعن طريق الاقتراع العام. وقد وقّع على العريضة 133 شخصية إماراتيّة بتاريخ 3 مارس 2011[2].


 

النظام السّياسي
 

 يُذكر أنّ النّظام السّياسي لدولة الإمارات يتألّف من مجموعةٍ من المؤسّسات الاتّحاديّة، يقع في مقدمتها المجلس الأعلى للاتحاد، والذي يُمثّل السّلطة العليا في الدّولة، ويتشكّل من حُكّام الإمارات السّبع, ويتولى المجلس الأعلى للاتحاد رسْم السّياسة العامّة للدّولة، وانتخاب رئيس الاتّحاد ونائبه، والمصادقة على القوانين الاتّحادية، وغيرها من المهام. وينتخب المجلس الأعلى للاتحاد من بين أعضائه رئيسَ الاتحاد ونائبه، وقد تعارف أن يكون رئيس الإتحاد من إمارة أبوظبي، صاحبة النّفوذ الأوسع والأغنى والأكبر مساحة في الاتحاد. ويأتي بعد ذلك، مجلس الوزراء الذي يُعدّ بمثابة السّلطة التّنفيذية في الدّولة، ويختصّ بتصريف جميع الشّؤون التّنفيذيّة الدّاخلية والخارجيّة، ومتابعة تنفيذ السّياسة العامة للدّولة في الدّاخل والخارج, والمتعارف عليه أن يكون الرّئيس حاكم إمارة دبي، أو منْ يكلفه.
 

 ويُمثّل المجلس الوطني الاتّحادي  السّلطة الرّابعة حسب الدّستور، فالسّلطات في الإمارات مُقسمة على النحو التالي في المادة  45: 1- المجلس الأعلى للإتحاد، 2- رئيس الاتحاد ونائبه، 3- مجلس وزراء الاتحاد، 4- المجلس الوطني الاتحادي، 5- القضاء الاتحادي. وعلى الرغم من أن المجلس الوطني يفترض أن يلعب دور السّلطة التّشريعيّة، إلا أن صلاحيّاته الدّستوريّة تجعله فعليا هيئة استشارية للسّلطة التنفيذية من دون أي صلاحيّات تشريعيّة أو رقابية حقيقية. ويتشكل المجلس من أربعين عضواً بواقع 8 مقاعد لكلّ من أبوظبي ودبي ، و6 مقاعد لكلّ من الشارقة ورأس الخيمة ، و4 مقاعد لكلّ من عجمان وأم القيوين والفجيرة، وقبل انتخابات عام 2006، كان جميع أعضاء المجلس يتمّ تعيينم بشكلٍ مباشر من قبل حكام الإمارات السبع. ومنذ عام 2006يتمّ انتخاب نصف أعضاء المجلس من قبل هيئات انتخابية يتم ترشح أعضاءها من قبل حكّام  الإمارات، بينما يتمّ تعيين النّصف الآخر مباشرة، وقد تمّ اعتماد هذه الآلية وتطبيقها عام 2006، أي منذ بداية تطبيق المرحلة الأولى من برنامج التمكين السّياسي  لرئيس الدولة، وتلتها المرحلة الثانية بزيادة الهيئة الانتخابية، لتصل إلى ما يزيد على (129) ألف ناخب مرشحين من حكام الامارات، وفقاً لقرار رئيس الدولة رقم (2) لسنة 2011. ومنذ نشأة الاتحاد كانت انتخابات رئاسة المجلس الوطني تجري في اقتراع سري، ودون تدخّل السّلطة، مما يفتح المجال لانتخاب الأكفأ، لكن في السّنوات الاخيره ظهرت بعض التوقعات بأن نفوذ السّلطة التنفيذية بدأ يؤثر على حرّية تصويت الأعضاء المعينين في انتخاب الرؤساء.

 

 هذا وقد تمّ إجراء ستة تعديلات شكليّة على الدستور منذ توقيعه، وأحدها يخصّ تغيير مُسمّى الدّستور، من مؤقت إلى دائم عام 1996[3].. ومؤخراً، يرى البعض، وبعد وفاة المُؤسّس الشيخ زايد - الأب الروحي للاتحاد - برزت ظاهرة ترهّل في أدوار الاتحاد، باستثناء الجوانب الأمنية، وذلك مقابل توسّع نفوذ سلطات بعض الحكومات المحلّية، وخاصة في النواحي العمّالية والجمارك والتّعليم والصّحة والخارجيّة والقضاء وغيرها. يشير هذا الرأي إلى بروز دوائر ومجالس محلّيّة موازية للوزارات الاتّحاديّة، وتلغيإلى حدّ ما - دورها بشكلٍ ملموس في تلك المجالات، حيث تضطلع بالقيام بالدّور المنوط بتلك الوزارات بشكل كلي تقريباً. لقد أوجدت الإمارات الكبرى، مثل أبوظبي ودبي، دوائر تختصّ بالتّعليم والصّحة والاقتصاد، وغيرها من المجالات، مثل مجلس أبوظبي للتعليم، وهيئة المعرفة والتنمية البشريّة في دبي، ودوائر التنمية الاقتصاديّة في كلٍّ من أبوظبي ودبي. كما برزت ظاهرة نظام القضاء المحلي بعد أن قامت أبوظبي بإنشاء دائرة القضاء التابع للإمارة في 2006.[4]


 

ردة فعل السّلطة على مطالبات الإصلاح السياسي
 

 في خطواتٍ مشابهة لما قامت به باقي الحكومات في دول مجلس التعاون؛ اعتمدت دولة الإمارات على إجراء تغييراتٍ مادّيةٍ، تتلّمس من ورائها اهتمامات عامّة الشعب، من إسكان ورواتب ومكافآت ملموسة وغير ملموسة، وتمّ تنفيذ هذه الإجراءات عبر ضخّ مليارات من الدّراهم في الميزانيّة. حيث قامت الحكومة بزيادة الرّواتب في القطاع الحكومي بنسب تصل الى 100%،[5] وتم تسديد بعض الدّيون في خضم زيارات ميدانيّة من بعض المسئولين لأبناء الشعب، وخاصة في المناطق النائية والقبلية، وفي ظلّ حملة إعلاميّة رسميّة لدعم تلك الخطوات والثناء عليها.
 

 وفي مقابل تلك العطايات والمنح، انتهجت السّلطات أسلوباً مختلفاً مع النّاشطين، وممنْ أصرَّ على مطالبات العريضة التي صدرت في مارس 2011، حيث ظهرت حملاتٍ إعلاميّة رسميّة مُتّهمةً النّاشطين بالخيانة والعمالة، بعدها تمّ اعتقال خمسة مواطنين بدءا من 8 أبريل 2011، بعضهم لم يكن من الموقّعين على العريضة، ومنهم منْ كان له دور فاعل، ومن الموقعين على العريضة، مثل الناشط الحقوقي البارز أحمد منصور، والأكاديمي ناصر بن غيث. واستمر احتجاز هؤلاء الخمسة فترة تقارب الثمانية أشهر، فكانت بذلك البداية الحقيقيّة للحراك الشّبابي، والذي انطلق عبر مواقع التّواصل الاجتماعي، مثل فيس بوك وتويتر، بغرض الدّفاع عن المعتقلين. وانتهت قضيتهم بالإدانة بأحكام تتراوح بين سنتين إلى ثلاث سنوات في نوفمبر 2011، قبل أن يصدر بحقّهم عفو رئاسي، ويُفرج عنهم في اليوم التّالي للحكم[6].


 بالإضافة إلى مجموعةٍ ممنْ يُصنّفون على التيار "اللّيبرالي"؛ كان يقود الحملة ضدّ اعتقال المواطنين الخمسةوبنحو أساس - التّيار الإسلامي في الإمارات، ممثّلاً في أبناء دعوة الإصلاح الإسلاميّة، والقريبة فكريّاً من جماعة الإخوان المسلمين، وهو ما كشف حقيقة وجودها على الأرض، وفي مواقع التّواصل الاجتماعي، وقدرتهم على التأثير إلكترونيّاً على جزءٍ من شباب الدّولة، وذلك بالرّغم من تجفيف منابع وجودهم، عبر إلغاء محاضنهم ومؤسّساتهم.


 وقد تمّ التّصدي للتّيار الإسلامي عبر سحب جنسية سبعة من قيادييه في ديسمبر 2011، ومن ثمّ اعتقالهم دون محاكمة أو إذن نيابة عامة أو تحويل للقضاء. أدّى ذلك إلى مزيدٍ من الحراك الشّبابي على مواقع التواصل الاجتماعي، بهدف نقل وجهة نظر الحراك، والتوعية فيما يخصّ ظروف اعتقال الناشطين.


 وفي سياق متّصل بالاعتقالات، أعلن النّائب العام الإماراتي عن اكتشاف خليّة منظمة سرّيّة تسعى لقلب نظام الحكم  مطلع عام 2012[7]، وعلى إثرها تمّ توسيع مساحة الاعتقالات، حيث ارتفع عددُ معتقلي الإمارات حتى نهاية عام 2012 إلى 73 معتقلا مواطناً، جميعهم من دعوة الإصلاح الإسلامية، أو من المؤيّدين لها. ومن أبرز المعتقلين الدكتور سلطان القاسمي، ابن عم حاكم رأس الخيمة، والدكتور محمد الركن أستاذ الحقوق والناشط في مجال حقوق الإنسان. وترى السلطات في الإمارات أن هناك مؤامرة منظمة من قبل جماعات إسلامية قريبة من الإخوان المسلمين لمحاولة قلب نظام الحكم في الدولة، وأنه تم استعمال الاحتجاجات العربية وقوانين حقوق الانسان كذريعة وغطاء لهذه التحركات.


 ويزعم النّاشطون في دولة الإمارات بأنّ المرادف لتلك الاعتقالات  كان عدداً من الخطوات الحكوميّة لتطويق اية آثار سلبية لتلك الاعتقالات على الشعب،[8]  وتُثار في هذا الصّدد، اتهامات بأنه تمّ التعاون مع بعض المشايخ وطلاب العلم الشّرعي للتشهير بالمتهمين والدفاع عن سلوك الدولة. وقد برزت العديد من المواقع التي تقود حملات ضد النشطاء و مطالبي الإصلاح[9]، بحيث تتبنّى الموقف الحكومي الرّسمي، وتساهم في نشر مقالات و تقارير ضدّ النّشطاء الحقوقيين و السّياسيين[10]. وقد أدت بعض تصريحات قائد شرطة دبي المناوئة لحركة الإخوان المسلمين إلى توتر العلاقات بين مصر والإمارات، ممّا أدى إلى استدعاء سفير الإمارات في مصر[11].     


وفي نفس السّياق، ظهرت بعضُ المؤسّسات والتجمّعات السّرية التي تدعم الحراك داخل الإمارات، وقد يكون أبرز مثال على ذلك هو حزب الأمة، والذي أصدر بياناً في 1/8/2012 مطالباً بإصلاحات سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة، ويغلب على البيان المرجعيّة الإسلاميّة[12]. كما ظهرت تحرّكات في الخارج تدعم الحراك في الدّاخل، مثل مركز الإمارات للدّراسات والإعلام، الذي يأخذ العاصمة البريطانية لندن[13] مقرّاً له، بالإضافة إلى مركز الإمارات لحقوق الإنسان المتمركز في لندن أيضا[14]، ولا يُعرف منْ هم مؤسّسو أو مموّلو هذه التحركات حتى كتابة هذا البحث، ولكن يُشاع بأنهم من ذوي التوجّهات اللّيبراليّة والإسلاميّة.

 ووصلت التبعات السّياسية إلى مراكز الدّراسات الأجنبية التي لها  علاقة بالإمارات، فتمّ الاعلان عن إغلاق فرع مركز الخليج للدراسات GRC في دبي - والمُموّل سعوديّاً - في يونيو 2011[15]، وإغلاق المعهد الديموقراطي الوطني (NDI)، وكنراد (Konrad-Adenauer-Stiftung (KAS)) و راند كوربويشن (RAND

 [16]
Corporation). كما تمّ إنهاء عقد وإبعاد مات دافي أستاذ الإعلام في جامعة زايد بدبي في أغسطس 2012م[17].مؤخّراً، في فبراير 2013، تمّ إلغاء مؤتمر لمدرسة الاقتصاد بلندن London School of Economics  في الجامعة الأمريكيّة بالشّارقة، بعد إلغاء ورقة تتعلّق عن البحرين، وكان من المزمع تقديمها في المؤتمر، ولكن لم يُسمح لمُقدّم الورقة من دخول الإمارات[18].


 والمعروف أنّ دولة الإمارات لا تسمح بإنشاء الأحزاب السّياسيّة، هذا بالرغم من أن الدّستور لم يتطرّق إلى قانون تشكيل الأحزاب السّياسيّة. ولكن من الناحية العرفيّة والفعليّة يُعدّ تشكيل الأحزاب قانوناً غير مرغوب فيه، وتحظر سلطات الإمارات إنشاءها، ولا يوجد قانون يُجيز أو يمنع عمل الأحزاب السّياسيّة، ويسمح فقط بإنشاء جمعيّات النّفع العام غير السّياسيّة.


 وقد صدر أوّل قانون اتحادي بشأن جمعيات النفع العام والنقابات عام 1974، والذي تمّ الغاؤه واستبداله بالقانون الاتحادي الجديد رقم 2 لعام 2008. وفي تطبيق أحكام هذا القانون؛ يُقصد بالجمعيّة ذات النّفع العام،[19] "كل جماعة ذات تنظيمٍ تؤلف من أشخاصٍ طبيعيين أو اعتباريين.. بقصد تحقيق نشاط اجتماعي أو ديني أوثقافي أو تربوي أو فني أو تقديم خدمات إنسانية أو تحقيق غرض من أغراض البر أو غير ذلك من الرعاية سواء كان ذلك عــن طريق المعاونة المادية أو المعنوية أو الخبرة الفنية، وتسعى في جميع أنشطتها إلى المشاركة في تلك الأعمال للصالح العام وحده دون الحصول على ربح مادي."


 ويحظر القانون على الجمعية أن تشترك فـي أيّة مؤتمرات أو اجتماعات، إلاّ بترخيص مُسبق من الوزارة. كما لا يجوز لها أن تنتسب أو تشترك أو تنضمّ إلى أية جمعيّة أو هيئة مقرّها خارج دولة الإمارات، إلا بعد موافقة وزارة الشئون الاجتماعية ووزارة الدّاخلية، كما يحظر عليها التدخّل في السّياسة وأمور أمن الدّولة(المادة 16 من القانون الاتحادي رقم 2 لعام 2008 بشأن الجمعيات ذات النفع العام).


 وقد شهدت ساحة العمل الاجتماعي، بعد صدور القانون، حركة متسارعة باتجاه تأسيس الجمعيّات ضمن فئات متنوعة، مثل الجمعيّات النسائية، الجمعيات الدّينية، جمعيات الفنون الشّعبيّة، جمعيات الجاليات والجمعيات الإنسانية، وجمعيات الخدمات العامة. ففي الّسنة الأولى من صدور القانون تأسست 10 جمعيات، منها 4 جمعيات نسائية، و4 جمعيات للجاليات العربية والوافدة، وجمعية دينيّة وأخرى للفنون الشعبية. ويتجاوز عددها عام 2012؛ 106جمعية بعد أن اضيفت إليها جمعيات ثقافيّة وخيريّة ومهنيّة. وتقول السّلطات بأنّ الجماعات الإسلاميّة المناوئة للنّظام "اتخذت هذه الجمعيّات ملاذاً لها" من أجل أن تُحقّق لنفسها الامتداد والنّمو.


 ومع بداية العام 1994م، تمّ إغلاق الجمعيّات ذات التّوجه الإسلامي، أو ما يُسمى الإسلام السّياسي، مثل جمعية الإصلاح، والتوجيه الاجتماعي. وبرزت اتهامات تشير إلى أن منظمات المجتمع المدني في الإمارات بدأت تشهد تراجعاً نتيجة حضور السّلطة الأمنيّة، وتدخّلها في عملها، وإصدار قرارات وتعليمات مكتوبة أو شفوية، تُشدّد على أهمية الحصول على الموافقات الأمنيّة المسبقة ذات العلاقة بالتوظيف، وإقامة البرامج والأنشطة والندوات واستضافة المُحاضَرين.

 
وفي خضم أحداث الانتفاضات العربيّة في عام 2011؛ قامت بعض الجمعيّات المهنيّة بإصدار بيانات مؤيّدة لتوسيع هامش الحرّيات في الّدّولة، وكان ردّ الأخيرة حلّ مجالس إدارات هذه الجمعيّات، واستبدالها بأعضاء موالين للسّلطة، مثل جمعية الحقوقيين وجمعية المعلمين في مايو عام2011م[20].


 وعلى الرغم من نجاح الإجراءات الأمنية في تقليص انتشار الحراك العلني، إلا أنه - كما هو الحال في دول الخليج الأخرى - برزت ظاهرة "الحراك الكامن"، والذي يُشير إلى تصاعد أعداد الشّباب المتابعين للحراك اليومي في مواقع التواصل الاجتماعي، وتحت أسماء وهمية ومستعارة خشيةً من الملاحقات الأمنية، وهو ما أدّى إلى ارتفاع درجة الغليان الشّبابي نسبيا، وتزايد نبرة الانتقاد للسّلطة، والتي شملت أحياناً بعض الشّيوخ وأولياء العهود البارزين، وهي حدّةٌ لم تكن موجودة قبل الحملة الأمنية على الناشطين.

 


ردود الفعل الدّولية:
 

 يرى الكثير من الحقوقيين بأنّ الوضع الحقوقي في الإمارات يشهد تراجعاً، وبالرغم من تواجد جمعية حقوقية رسمية مثل جمعية الإمارات لحقوق الانسان؛ فإنها تعرّضت إلى كثير من الانتقاد من جانب الناشطين، وذلك بسبب دورها المؤيّد للسلطة، بحسب زعمهم، وعدم قيامها بدور إيجابي في منع الانتهاكات التي يتعرّض لها الناشطون والمعتقلون. في هذا الصّدد، يشير المنتقدون بأنه لم يصدر بيان واحد من الجمعية يدين اعتقال النشطاء الخمسة عام2011، بالرغم من الانتقادات الدّوليّة الواسعة التي صدرت من المنظمات الدّولية، مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، وكذلك الأمم المتحدة. كما يزعم النقاد بأن هذه الجمعية عملت على الدّفاع عن الموقف الرّسمي الإماراتي في قضية معتقلي جمعية الإصلاح، وذلك عندما أصدرت بياناً تؤكد فيه بأن المتهمين يُعامَلون "حسب الأصول"، وأنه لا توجد شبهة للتعذيب، وأن ذلك غير وارد في الأساس، كما أنه توفر لهم "وجبات من فنادق خمس نجوم[21]" . هذا رغم الاتهامات بحصول تعذيب وسوء المعاملة بحقّ المعتقلين.
 

هذا وقد أشارت عدّة منظمات حقوقيّة عربيّة وعالميّة إلى الاحتقان الحاصل في الإمارات، الأمر الذي جعل بعض المنظمات الدّوليّة - بما فيها منظمة هيومن رايتيس ووتش - تخاطب رئيس الدولة بشأن قضايا الاعتقالات وانتهاك حقوق الإنسان في الإمارات، وذلك في نوفمبر 2012. [22]وأعقب ذلك إصدار 20 منظمة حقوقيّة عربيّة، عام 2012، بياناً يُدين تلك الاعتقالات، وأصدر البرلمان الأوروبي بياناً قاسياً في حقّ السّلطات الإماراتيّة، وطالب بالإفراج الفوري عن المعتقلين، وتشكيل لجان تحقيق في تلك الانتهاكات، وهو ما شكّل صدمة لسلطة الإمارات[23].


 

قضايا الانتهاكات والتعذيب واتفاقية مناهضة التّعذيب الدّوليّة:
 

  أصدر رئيسُ الدّولة المرسوم الاتحادي رقم 73 لسنة 2012 بشأن انضمام الدّولة إلى اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو المُهينة لعام 1984، حيث وافقت الإمارات على الانضمام إلى المعاهدة، ولكنها أبدت في هذا السّياق الإعلان التالي :"تؤكد دولة الإمارات على أنّ العقوبات القانونيّة المُطبّقة بموجب القانون الوطني أو الألم أو المعاناة الناشئة أو المُلازمة لهذه العقوبات أو الذي يكون نتيجة عرضيّة له؛ لا تدخل ضمن مفهوم التّعذيب المُعرَّف في المادة (1) من الاتفاقيّة، أو ضمن المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو المُهينة الواردة في الاتفاقية". كما تُبدي دولة الإمارات تحفّظين على الاتفاقيّة، أولاً أن الدّولة، ووفقا للفقرة 1 من المادة 28. وثانياً إنّ الدّولة، وبناءاً على الفقرة 2 من المادة 30 من الاتفاقية؛ لا تلتزم بحكم هذه الفقرة ومادتّها والمتعلقة بالتحكيم[24].


 على خلاف ذلك، زعم عددٌ من شهود العيان، ومن أهالي المعتقلين، من خلال مواقع التّواصل الاجتماعي؛ عن حالاتٍ من أشكال التّعذيب الجسدي والنّفسي الذي تعرّضَ له معتقلو الإمارات. وأشار بعضُ الشّهود إلى تراجع صحّة بعض المعتقلين، وإبقائهم في زنازن باردة جدّا، وربط أعينهم عند التحقيق، وعدم قدرة بعضهم على المشي نتيجة الظروف المحيطة بهم, والانخفاض الحادّ في أوزان البعض، والإضاءة الشّديدة للكشّافات، وعدم السّماح لأهاليهم بزيارتهم، وعدم السّماح بالتّحدث مع محاميهم[25].


 إضافة إلى ذلك، فقد تمّ تسجيل بعض الحالات فيما يتعلّق بالوافدين، ومن ذلك قضية المواطن السّوري عبد الإله الجدعاني، المُفرج عنه مؤخّراً، ومواطنه مصوعب خليل العبد، والمعتقل منذ عام 2011، والمواطن الأميركي ناجي حمدان. حيث ذكر جميعم بأنّهم تعرّضوا إلى أشكال عديدة من التعذيب[26]، وقد أيّدت ذلك تقارير منظمات حقوق الإنسان.


 كذلك، فإنّ هناك مزاعم بشأن حالات أخرى، مثل: اختطاف المعتقلين من الأماكن العامة، ومن المطارات، واقتحام منازلهم والاستيلاء على حواسبهم الشّخصيّة وهواتفهم النّقّالة، وتجميد حسابتهم وحسابات أهاليهم. واستخدام بعض الأفراد، وبلباس مدني، في توجيه التّهديد للنّاشطين، والتّهجّم الجسّدي والنّفسي، ومحاولة الخطف تحت تهديد السّلاح للناشطين خارج الدولة، كا حدث مع أحد الناشطين في مصر، وكذلك إصدار قوائم منع السّفر، دون صدور قرار من النّائب العام، وترحيل عددٍ من الناشطين "البدون" من الإمارات[27].

 

قانون  مكافحة جرائم تقنيّة المعلومات:
 

  أصدر رئيس دولة الإمارات الشيخ خليفة بن زايد ال نهيان في 12 نوفمبر 2012 مرسوما بقانون اتحادي رقم 5 لعام 2012 بشأن مكافحة الجرائم الإلكترونية في الإمارات العربيّة المتحدة.   وفي حين أنّ القانون تضمّن بعض المواد التي تكفلُ الحرّيّة لبعض المعلومات المتداولة على مواقع الإنترنت، مثل الحسابات المصرفيّة وبطاقات الإئتمان،الا ان  المرسوم لقي بعض الانتقادات لكونه "فضفاضا"، وبنحوٍ يمكن أن يُعطي أرضيّة قانونيّة لمحاكمة الأشخاص الذين يستخدمون شبكة الإنترنت بغرض انتقاد كبار المسؤولين، والمطالبة بالإصلاحات السّياسية، أو العمل على تنظيم مظاهراتٍ غير مرخّصة.[28]


 وتقرّ المادة 29 بالسجن والغرامة (تصل إلى 1 مليون درهم)، (272.000 دولار أمريكي) لأيّ شخص يستخدم تكنولوجيا المعلومات بقصد السّخرية أو الإضرار بسمعة ومكانة مركز الدولة، أو أيّة مؤسّساتها، بما في ذلك الرئيس أو نائب الرئيس، وحكّام الإمارات، وأولياء العهد أو نوابهم، وعلم الدولة، والسّلامة الوطنية، وشعار الدّولة والنشيد الوطني، أو رموزه.


 أما المادة 30 فتقرّر عقوبةً تصل إلى السجن مدى الحياة لأي شخص يستخدم هذه الوسائل للدّعوة إلى إسقاط أو تغيير، أو الاستيلاء على نظام الحكم في الدولة، أو عرقلة أحكام الدستور أو القانون القائم، أو معارضة المبادئ الأساسية التي يستند إليها نظام الحكم. وتطبق هذه العقوبة ضدّ أي شخص يُحرّض أو يُقدّم التسهيلات لهذه الأفعال. [29]

 

 الفساد والشفافية
 


 لا توجد في الإمارت جهةٌ مستقلة كلّياً يمكن أن  تنشرَ مُعدّلات الشّفافيّة والفساد بنزاهة، ولكن خلال السّنوات الأخيرة اهتمّت الدّولة بكشْف عددٍ من المسئولين المُتّهمين بالفساد المالي والإداري، وقيادات أخرى في القطاع شبه الحكومي، وتمّ تقديم عددٍ منهم إلى المحاكمات.


 وكما في باقي الدول فإنّ الفساد في الإمارات يُمارَس بطرقٍ مختلفة، منها الفساد المُباشر، من قبيل تلقّي الرّشاوي، وقد تصاعد معدّل هذه الظّاهرة في السّنوات الأخيره، وتمّ رصد عددٍ من موظّفي الدّولة، وخاصة في شئون العمل، والهجرة والجوازات، والأمن، والدّوائر الاقتصاديّة، والبلديات. ومن مظاهر الفساد، استغلال المنصب والنّفوذ عبر العقود الخاصة مع مؤسّساتٍ حكوميّةٍ، وبخاصةٍ في قطاعات الإسكان والشّرطة والقوّات المسلّحة، وعقود المُشتريّات والتوريد وغيرها. وهناك تزاوجٌ غير شرعي بين المال والمنصب الحكومي، وهو ما عطّل كثيراً من القرارات الحكوميّة والقوانين إزاء محاربة الفساد، واحتكار الخدمات. [30]


 وبحسب منظمة الشّفافيّة الدّوليّة التي تقيس تصوّرات السّكان حول انتشار الفساد؛ فإنّ أقلّ الدّول العربيّة من ناحية انتشار الفساد، هي كلّ من  قطر والإمارات وعمان، إلاّ أنّ تلك الدّول لازالت بعيدةً عن المراكز العشر الأولى عالميّاً. وبالإحالة إلى تقرير المنظمة لعام 2011، فقد احتلّت الإمارات المركز رقم 28 عالميّا، وبتقدير 6.8 درجة من أصل 10 درجات، متفوّقةً في ذلك على جميع الدّول العربيّة، ماعدا دولة قطر. وحسب التقرير الأخير للمنظمة، للعام  2012م، أحرزت الإمارات تقدّماً بدرجة واحدة،[31] الأمر الذي جعلها تتقدّم إلى المرتبة رقم 27 دوليّاً، بالشراكة مع دولة قطر. ويبدو أنّ التحسّن تحقّق على خلفيّة تعزيز استخدام الخدمات الإلكترونيّة في المعاملات الرّسميّة، وهي الظّاهرة التي تساهم في تقليص النّفوذ الشّخصي في الممارسات العامة.


 الفساد في الإمارات يتضمّن شقّين: الاتّحادي والمحلّي. وتتضاءل صور الفساد ومعدّلاته في الشّقّ الاتّحادي، وذلك بسبب ارتفاع معدّل آليّات المراقبة والمحاسبة. بينما تزداد حدّته في الحكومات المحلّيّة نظراً لغياب أو ضعف دور المؤسّسات التّشريعيّة والرّقابيّة، وكذلك غياب مشاركة منظّمات المجتمع المدني، وفقدان المؤسّسات المستقلة التي تُعنى بتقارير الشّفافية والفساد. ونتيجة لاكتشاف حالاتٍ عديدةٍ من الفساد مؤخّراً؛ برزت - ولفترةٍ محدودة - ظاهرة كشْف الفساد ضمن خُطط بعض الحكومات المحلّيّة، ولكنها في الحقيقة إجراءات مؤقتة، وتغضّ الطّرف عن عن قضايا فساد كبرى يُتهم بها مسئولون بارزون في الدّولة. وما يتناقله بعض المستثمرين ورجال الأعمال من قضايا فساد؛ تُشير إلى وجود عمليّات فساد واحتيال غير موثقة،وخاصة في قطاعات البنوك والدّوائر العماليّة والاقتصاديّة والأمنيّة، حيث ذكر قائد عام شرطة دبي بداية عام 2010 أن "سلسلة التّحقيقات في قضايا الفساد وصلت إلى الحلقة الأخيرة، وتشمل مسؤولين كباراً في دبي، مطالباً الحكومة بإزالة كلّ ما يعوق مساءلتهم، واستدعاءهم لدى الجهات المختصّة." وقال في مؤتمر صحافي، بأنّ فريق التحقيق وتحصيل الأموال استجوب نحو 63 متهماً في قضايا فساد"[32] ، إلا أنّ الموضوع لم يأخذ طريقه للقضاء، ولم يُقدّم ذلك العدد - الذي صرّح به قائد عام شرطة دبي - إلى المحاكمة.


 ويبقى ما يُعرف ب "الفساد الكبير"، وهو المتعلّق بالنّفوذ السّياسي الممزوج بالاقتصادي، وخاصة فيما يخصّ بأموال النفط وصفقات السلاح والأراضي؛ يبقى هذا الفساد ضبابيّاً، ويفتقرُ إلى المعلومات وجهات المحاسبة المُستقلّة، والتي بإمكانها أداء دور الرّقابة الفعليّة، وحال الإمارات في ذلك كحال باقي دول المجلس.

 

لقراءة الجزء التالي من الاصدار                                                                  

لقراءة النسخة الكاملة من الاصدار (pdf) 

لتصفح محتويات الاصدار الكترونيا

 


[8]http://www.al3nabi.com/vb/f2/t139090.html

[9]  :انظر مثلاً:http://www.emarati001.com/

[25]http://www.hrw.org/ar/news/2012/09/14

[26] المصدر السابق و لقاء تلفزيوني مع المعتقل السابق الجدعان :