مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

2.7

طباعة PDF

مقدمة: مظاهر الخلل السياسي

 
يرى البعض بأن سلطنة عمان من أوائل دول المنطقة التي عاشت تجربةً ديمقراطيّة "إسلاميّة"، من خلال إقامة دولةٍ تقوم على أساس الانتخاب، والتي على أساسها يقوم المذهبُ الإباضي، وهو المذهب الذي استطاع أن يقيم دولة في عمان. و"يمكننا القول بأن الأباضية أوّل حزب جمهوري في الإسلام، حيث لم يقرَوا بمبدأ الحكم الذي يكون محصوراً في آل البيت، أو حكرا على قريش، بل كانوا يرون أن قرار اختيار الحاكم يعود إلى اختيار الشّعب من حيث الافضلية"[1].


 ورغم هذا الإرث الحضاري، والتّجربة التي تحاول أن تُقارِب الدّيمقراطيّات الحديثة؛ إلاّ أنّ هناك خللا سياسيّا واضحاً في عُمان/ الدّولة قبل سنة 197م، والتي تُعتبر بداية قيام دولة عُمان الحديثة الموحّدة، بعد ما شهدته عمان تفكّك سياسي، وقيام دول داخل الدّولة، مثل دولة الإمامة، مضافاً لها التمرّدات الثوريّة والقبليّة، والتي أضعفت الدّولة، وبالتالي أوجدت ضعفاً في السّلطة السّياسيّة، والقرار السّياسي للدّولة المركزيّة القائمة في مسقط، والمتمثّلة في السّلطان. وصل هذا الضعف إلى درجةٍ كانت فيها الدّولة تفتقد المؤسّسات، وبلا جيش تقريبا. وفي سنة 1970م، كانت بداية تكوّن دولة عمان الحديثة، أو ما يُطلق عليه رسميّاً: بداية النّهضة.
 


 ويرى البعض بأنّ "التّطوّرات الإداريّة في حكومة السّلطنة قد حدثت بعد الحركة الانقلابيّة التي قادها (...) قابوس ضدّ والده السلطان سعيد بن تيمور.. والسلطان قابوس لم يدخر وسعاً في الإسراع في إنجاز مختلف المشاريع العمرانيّة والاقتصاديّة في البلاد. وبالرغم من أنّ السلطان لم يتخلّص بعد كليّاً من المركزية في الجهاز الإداري، إلا أنه حقّق إنجازات لا تُنكر في حقل التّشريع"[2].


 ويمكننا أن نقول بأنّ مظاهر الخلل السّياسي في سلطنة عُمان حاليّا يكمن في ظاهرتين:

•  ضعف المجتمع المدني.

•  ضعف المؤسّسات الرّسميّة الشّريكة للدّولة في صناعة القرار (مجلس الشورى المنتخب، ومجلس الدّولة المُعيّن).

 


ضعف المجتمع المدني في عمان:


 إنّ مفهوم المجتمع المدني هو، في الأساس، نتاجٌ للمشاريع الدّيمقراطيّة، أي هو ناتج عن الأنظمة الدّيمقراطية، وليس النّظام الديمقراطي هو نتيجة للمجتمع المدني. ولذلك، لا يمكن أن نقول أنّ هناك مجتمعاً مدنيّاً فعّالا، إلا في ظلّ و جود نظامٍ ديمقراطي يُؤمنُ بالمشاركة الشّعبيّة، وبحقّ الشّعب في صناعة القرار، على أن يُترجم ذلك إلى نصوص قانونيّة ودستور ضامن. ولكن، حتّى في ظلّ ما يكفله النّظام الأساسي للدّولة - وهو شبيه بما يُعرف بالدستور - نجد أنّ المجتمع العماني لا يترجم تلك النّصوص، ليُحولها إلى واقع ملموس.


 على سبيل المثال، فإنّ المادة (32) من النّظام الأساسي للدولة تنصّ على "حرّية تكوين الجمعيّات على أسسٍ وطنيّة، ولأهداف مشروعة بوسائل سلميّة، و بما لا يتعارض مع النّظام الأساسي للدّولة، وفقا للشروط والأوضاع التي يبيّنها القانون"، ومع ذلك، ففي سلطنة عُمان لا توجد أيّة جمعيّة فكريّة أو جمعيّة ذات اتجاهات سياسيّة، وكل الجمعيّات فيها هي مهنيّة وخيريّة، و تكاد تكون محصورة في العاصمة مسقط. ويعزي الكثير من المثقفين العمانيون [3]ذلك إلى العراقيل القانونيّة تقف عائقا أمام تفعيل الحقّ الدّستوري، حيث لم تكفل النّصوص الحقّ تماماً، وبشكل صريح، وإنما أرجعته إلى القانون الذي - حسب رأي الكثيرين - يتمّ تطويعه ليتم الالتفاف من خلاله على الحقّ الدستوري. فقد "حدّد قانون الجمعيّات الأهلية مجموعة من الأنشطة المحظورة على الجمعيات في المادة (5)، حيث حظرت تلك المادة الاشتغال بالسّياسة، أو تكوين الأحزاب أو التدخّل في الأمور الدّينيّة أو القبلية، مع تأكيدها بعدم جواز ممارسة أي نشاط خارج ما حدّده نظامها الداخلي، وكذلك حظر عليها الاشتراك والانضمام إلى جمعيّات أو هيئات أو نادٍ مقرّه خارج البلاد، إلا بموافقة الوزير. ومن المحظورات أيضاً إقامة أي مهرجان أو محاضرات عامة، إلا بترخيص من الوزارة، وينسحب هذا الحظر فيما يتعلق باستقبال وفود أو إرسال وفود. والواقع العملي يؤكّدُ أنّ الموافقات يتمّ تداولها في اجتماعات مجلس الوزراء"[4].


 ولكن البعض يرى في هذا الرّأي هروباً من الإقرار بحقيقة ضعف روح المجتمع المدني لدى الشّريحة العظمى من الشّعب العماني، فقبل الاحتجاجات الشّبابيّة لم يتقدّم المثقفون والمهتمون بالشّأن السّياسي من المواطنين العمانيين؛ بطلبٍ لتشكيل جمعيّة ذات اتجاهات سياسيّة، ولم يسجّلوا مطالباتٍ حقيقيّة لانتزاع حقّ تشكيل جمعياتٍ ذات اتجاهاتٍ سياسيّة. وحتى بعد الاحتجاجات، لم يُسجّل سوى طلب يتيم للجمعيّة الوطنيّة من أجل الإصلاح والتغيير، والتي دعا إلى تشكيلها المثقفون المعتصمون أمام مجلس الشورى في مسقط إبّان الاحتجاجات في عام 2011م، ويتزعمهم في ذلك الناشط السياسي سعيد بن سلطان الهاشمي. وفي حين لم تُمنح الموافقة على إشهارها من جانب السّلطات الرّسميّة؛ فإنّ اللافت أنّه لم يُرصد توجّه الشّباب والناشطين المطالبين بها؛ إلى مزيدٍ من الضّغط، ولم يتفاعل معهم المجتمع بمؤسساته وأفراده، وذلك على النّحو الذي يُفترض أن يكون عليه أيّ مجتمع مدني يطمحُ للخروج من الصّورة العشوائيّة في المطالبة وتنظيم الاحتجاجات، إلى وقعٍ أكثر تحضّراً من خلال المؤسّسات.


 وفي تحليل هذه السّلبيّة، يرى البعض أنّ السّبب يكمن في الموروث الذي تمّ التّخطيط له عقب انتهاء الهيمنة البريطانيّة على عمان، والذي انتهى إلى إضّعاف المجتمع من خلال تكوين دولةٍ تقومُ على أساس شبكةٍ من المصالح المتداخلة لنسيج الأفراد المؤثّرين في المجتمع العُماني، فارتبط رجالُ المال بالسّياسة وشيوخ القبائل بالوجاهة والعطايا، وأصبح المجتمع بشكلٍ عام متمحوراً حول شخص السّلطان. ومن هنا ضعُف المجتمع العماني، وضعُفت فعّاليته و لعقودٍ من الزّمن، لاسيما في ظلّ الوفرة الماليّة التي تسبّبت، وبنحوٍ سلبيّ، في غياب مفهوم "المواطن" داخل المجتمع.

 

المجتمع العُماني والتركيبة السّكانيّة:
 

 بسبب التّاريخ البحري لعُمان، فقد انفتحت على شعوب القارة الهنديّة والإفريقيّة، في الوقت الذي انعزلت فيه عن محيطها العربي بفعل المذهب الأباضي، والذي كان مُحارَباً من قِبل المذاهب الأخرى.
 

 وفي عجالةٍ سريعةٍ، فإنّ المجتمع العُماني لا يُعاني من مشكلة التّجنيس في تاريخه الحديث، إلاّ أنّ تركيبته التّاريخيّة جعلته ينقسم إلى دوائر متداخلة، وغير مندمجة. فمن حيث الأصول، فإنّه ينقسم إلى: مواطنين عرب، مواطنين من أصلٍ هندي، ومواطنين من أصلٍ إفريقي. أمّا من حيثُ المذهب، فينقسمون إلى: أباضيّة، سُنة، وأقلية شيعيّة مؤثرة. ومن حيث التّركيبة القبليّة، فإنّ التقسيم السائد يقسم الأشخاس إلى ذوي أصول قبائليّة، وبياسرة، ضعف، و ممن ينظر اليهم انهم منحدرين من خلفية الرق والخدمة المنزلية. مناطقيّاً، ينقسم المجتمع العُماني إلى: داخل، ساحل، شمال، وجنوب.
 

 هذه الإثنيّات جميعاً، وإنْ كانت مُتصالحة في الوقت الحالي، إلاّ أنّ تمايز المجتمع، وفي ظلّ غياب المجتمع المدني - أي غياب المؤسّسات التي يمكن أن يذوب وينتظم من خلالها الجميع - تُنبئ بأنّ المجتمع العُماني قد يكون مهيّئاً للفتن والصّراعات الدّاخليّة. ومن هنا ينشأ الخوفُ، لدى كثيرٍ من أفراد المجتمع، من الإقدام على مُجابهة الدّولة، ومنه أيضاً تزدادُ سلطة الحكومة، وتضعف قوّة المجتمع.
 

 ومن نتائج ذلك، نشأ في المجتمع العُماني ما يُشبه اللّوبي المُعقّد من أصحاب النّفوذ داخل هذه الإثينات المختلفة، فأصيبت مؤسّسات الدّولة بداء الفساد المالي والإداري. ومنذ الثّمانينات بدأت الهوّة تزداد شيئا فشيئاً بين الأغنياء والفقراء في المجتمع العُماني، وبدأت تتكوّن بوادر للسّخط الشّعبي على أصحاب النّفوذ، وعلى الدّولة.
 

 وفي عام 2005م، أصبح هناك حديث يروج على العلن في أوساط المثقفين والعامة، بشأن القضايا التي ترتبط بالمجتمع المدني وإشكالاته، فقد أدرك المثقفون خطر غياب مؤسّسات المجتمع المدني، وضعف النّصوص الضامنة للحرّيّات في النّظام الأساسي للدّولة. كما أصبحت البطالة والمشكلات الاجتماعيّة، والغلاء، وعدم توفّر فرص التّعليم الجامعي من الأزمات التي تؤرّق النّاس، وخاصة فئة الشّباب.
 


حراك المثقفين في 2011م
 

 كان من أبرز الحراك بين المثقفين؛ فكرة الدّستور التّعاقدي التي تقدّم بها محمد اليحيائي[5]  للأوساط الثقافيّة، والتي نالت مساحة واسعة من النّقاشات، وتبلورت بناءً عليها أفكارٌ مختلفة، انطلقت منها صياغة الرّسالة التي تمّ رفعها إلى السّلطان في 3يوليو 2010م، و ممّا جاء فيها:
 

 "جلالة السلطان، لا يخفى على جلالتكم أنَّ الدستور التعاقدي هو أحد أهم مُقوّمات الدَّولة الحديثة، وهو ضامن مهم لأمنها واستقرارها وازدهارها. ومن هذا المُنطلق ندعو جلالتكم، بشفافيَّةِ المَحكُومِ أَمامَ الحاكِم، إلى اتخاذ هذه الخطوة الهامة والحاسمة في تاريخ ومسيرة بلادنا؛ وذلك  بتأسيس مجلسٍ وطني مهمّته صياغة دستور للبلاد (...)، قوامُهُ الشراكة والتعاقد بين الشعب وبين السلطان وعلى مبدأ المصلحة المشتركة، وثوابت تتمثل في أن الحاكم يمثل القوِّة الرَّمزية والرُّوحيَّة للبلاد، تماماً كما يُمثلُ الشعب مصدر السُّلطات، وأنَّ المشاركة في إدارة شؤون البلاد مكفولة عبر مُؤسَّسَاتٍ تشريعية ونِيابيَّة وبواسطة انتخابات حُرَّة ونزيهة، وأنَّ مفاهيم المُواطنة والعدالة والمُساواة، والفصل بين السُّلطات، واستقلال القضاء التام، وضمان الحُريَّات الخاصَّة والعامة، وحُريَّات التعبير بمختلف أشكالها، وحُريَّة الصحافة، وحُريَّة التنظيم والتجمُّع السِّلمي؛ هي القِيَم والحُقوق الإنسانية التي يكفلها الدستور التعاقدي الكافل لشرعية الحاكم، تماماً كما يكفلُبالتوازي- حقوق المواطنين وواجباتهم تجاه بعضهم البعض".
 

 كما تقّدم المثقفون بمقترح لتشيكل مجلس وطني لصياغة الدستور.
 

 وثمّة خطوة رائدة أخرى في هذا المجال، حيث اجتمع عدد من المثقفين العمانيين في 2011م، ومع عدد من الشّباب، في المسيرة الخضراء الثانية، والتي جابت حيّ الوزارة بمسقط، واستقطبت مجموعة من الشّباب العُماني. وقد حملوا معهم عريضة استلمها منهم وزير ديوان البلاط السّلطاني، تحملُ حزمة من المطالب الإصلاحيّة. و اللافت أنّها اُستهلّت بالمطالب السّياسيّة. وجاء فيها:
 

أولا: مطالب في الحقوق المدنيّة والسّياسيّة:
 

- تعديل صلاحيّات مجلس الشّورى؛ ليُساهم في صنع القرارات، وتفعيل الأنظمة الرّقابية وضبط الجودة.

- تعديل قوانين الترشّح لمجلس الشورى، بما يُساعد على ضمان انتخاب أعضاء مؤهّلين علميّاً وعمليّا؛ يُمثّلون المجتمع، ويُعبّرون عن تطلّعاته.

- تعيين جلالتكم رئيسا لمجلس الوزراء، ؛ تقومون جلالتكم بتعيينه لفترةٍ مُحدّدة كلّ خمس سنوات؛ مهمّته تنفيذ خطة خمسيّة محدّدة، ويُحاسب من قبل مجلس الشّورى في نهاية فترته، حيث تُحدّدون جلالتكم مدى نجاح رئيس المجلس المعيَّن كلَّ خمس سنوات وفق ما ترونَه جلالتكم.

- حماية المال العام من خلال تفعيل دور جهاز الرّقابة الماليّة للّدولة، في مراقبة المصروفات ومحاسبة الأطراف المُسيئة للأمانة، ومحاسبة المفسدين مهما كانت مناصبهم. ووضع توجيه جلالتكم السّامي موضع الدّفع والتّنفيذ والتأكيد والتذكير عليه من قبل وسائل الإعلام العُمانية.
-
القضاء على المحسوبيّة والوساطات في التّعيينات الوظيفيّة، ومعاقبة كلّ مسؤول يسيء لوظيفته في تعطيل وكبت الكفاءات، ووضع آليات رادعة لمكافحة المحسوبيّة والوساطة، وكلُّ ما من شأنه أن يخلّ بمقياس العدالة الذي وضعتموه جلالتكم منذ بداية نهضتكم المُباركة.

- تعزيز استقلاليّة القضاء؛ بإنشاء محكمة دستوريّة مستقلة، وأن يقوم مجلس القضاء الأعلى بتعيين القضاة، بدلاً من أن يكون قرارا وزارياً يتخذه الوزير.

- فصل الإدّعاء العام عن السّلطة التّنفيذيّة ومنحه الاستقلاليّة الكاملة في القيام بمهام عمله.

- تعديل قانون المطبوعات والنشر في أقرب فرصة؛ بما يضمن حقّ حرّية التّعبير؛ وألا تكون لوزارة الإعلام أية ولاية على الفكر والتّعبير عن الرأي، وأن يُناط للقضاء الفصل في هذه القضايا، عند حدوث خلافٍ بين الوزارة وبين المستفيدين من خدماتِها أو طالبي تصريحات المطبوعات أو وسائل الإعلام.

- التأكيد على الحقّ في إنشاء نقابات وجمعيّات مهنيّة، وتسهيل إجراءات إشهارها."
 

    هذا بالإضافة إلى بعض المطالب الأخرى ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي، مثل مساعدة الباحثين عن العمل، وفتح البنوك الإسلاميّة.

     وتمّ في وسائل الإعلام الحكوميّة الإعلان بأنّ السّلطان قد تسلّم عريضة المسيرة الخضراء الثانية. ولكن، وعلى المستوى الشّعبي، ظلّ حراك المثقفين محدودَ التّأثير، وشبه مجهول بالنسبة للغالبية العظمى من العمانيين، إلى أن انطلق الحراكُ الشّعبي بالتزامن مع ما عُرف بالرّبيع العربي.

 

•  الاحتجاجات الشّبابية في 2011م:
 

 عندما أعلن عمر سليمان عن تنحّي الرئيس حسني مبارك عن الحكم، وتولّي المجلس العسكري زمام الأمور في مصر لتسيير أمور البلاد؛ خرج عددٌ من الشباب العُمانيينعلى أقل تقدير في محافظة ظفار- إلى الشوارع في مشهد احتفالي عارم، يُشبه المشاهد التي ينطلق بها الشّباب عقب كلّ مباراة لكرة القدم. الأمر الذي كان يعني إعجاب الشّباب بانتصار الثّورة المصريّة، وانبهارهم بالنتائج التي وصلت إليها في حينه. كان من المؤكّد أنّ هذا الإعجاب له دلالات وتبعات ستشهدها السّاحة العُمانية لاحقاً.
 

 ففي 25 من فبراير؛ شهدت محافظة ظفار أوّل اعتصام شبابي يُنادي بعددٍ من التغييرات. وليس مستبعداً أن التاريخ المذكور اُستُلهم تيمّناً بـ25/يناير المصري. ولكن قبل ذلك، كانت هناك المسيرة الخضراء الأولى في 17  يناير 2011م، والمسيرة الخضراء الثانية في 18 فبراير2011م. إلاّ أنّ الحدث الأبرز في هذا الإطار هو الاحتجاجات الشّبابية في منطقة صحار، والتي أعطت زخماً لكلّ التحرّكات الشّبابيّة في مختلف مناطق السلطنة.
 

 بعد "نحو أسبوعين من الاحتجاجات التي أطاحت الرئيس المصري حسني مبارك في فبراير شباط2011، اندلعت احتجاجات في بلدة صحار الصناعية بشمال عُمان. في 27 فبراير، 2011، تجمّع عدّة مئات من المتظاهرين للمطالبة بتحسين الأجور، و توفير المزيد من فرص العمل، وقد قُتل أحد المتظاهرين في 27/فبراير عندما أطلقت قوّات الأمن الرّصاص المطاطي على المتظاهرين. ومن ثم، توسّع نطاق الاحتجاجات في صحار خلال  الأيام التّالية، بما في ذلك حرق بعض السّيارات والمحلات التّجاريّة، وانتشرت الاحتجاجات وصولاً إلى العاصمة مسقط. ورغم أن معظم المتظاهرين أعلنوا أن دوافع المظاهرات تعود إلى عوامل اقتصادية، وخاصة عدم وجود وظائف لائقة، أعلن البعض بأنّهم يريدون صلاحيّات أوسع لمجلس الشورى، وإعطاءه صفة الهيئة التّشريعيّة على غرار المجتمعات الغربيّة. ومع ذلك، فإنّ عدداً قليلا - حتى بعد وفاة أحد المتظاهرين - كانت تطالب بتنحّي السّلطان قابوس. لكن هذا المشهد كان محدوداً، حيث كانت ملصقات المطالب وعرائض المتظاهرين تُرفعُ بصحبة صور السّلطان قابوس. استمرّت الاحتجاجات في صحار ومسقط وفي معظم أنحاء السّلطنة خلال مارس 2011، بما في ذلك إنشاء مخيّم في ساحة صحار الرئيسدوار الكرة الأرضيّة - وبحلول نهاية مارس 2011، يبدو أنّ السلطان قابوس تولّى تهدئة الكثير من الاضطرابات من خلال سلسلةٍ من التدابير. ففي 29 مارس 2011 بعث قوّات الأمن لمسح المحتجين من على جميع الأماكن في صحار".. [6]


 وفي الأوّل من أبريل، أكّد الكثير من الناشطين وقوع قتيل آخر في صحار على يد قوّات الأمن، ولم يتم تأكيد ذلك رسميّاً، حيث إن القتيل الأوّل تمّ الاعلان عنه في وسائل الإعلام الحكوميّة، أما القتيل الثاني فلم تعترفُ به السّلطات العُمانيّة، كما لم يصدر أيّ بيان ينفي صحة ما يُشاع حول مقتل أحد المحتجّين. وفي تقرير لمنظمة هيومن رايتس  وتش جاء: "بدءاً من فبراير/شباط خرج آلاف العُمانيين إلى الشوارع في مختلف المدن للمطالبة بالوظائف، وللمطالبة بإنھاء الفساد وفصل مسؤولين كبار من المُتصوّر أنّھم فاسدين. ورغم أنّ الشرطة وقوّات الأمن سمحت في البداية بالتّظاھرات السّلميّة بشكل عام، فقد لجأت في 27 فبراير/شباط إلى استخدام الغاز المسيل للدموع والرّصاص المطاطي والذخيرة الحية ضد آلاف المتظاھرين الذين ھاجموا مركزاً للشرطة وأحرقوه، في بلدة صحار الساحلية. وأدت المصادمات إلى سقوط عشرات المصابين، وقتلت الشرطة بالرصاص المتظاھر عبد لله الغملاسي. وفي 1 أبريل/نيسان أطلقت قوات من الشرطة والجيش الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي على متظاھرين ألقوا الحجارة. و قُتل خليفة العلوي، 22 عاماً، برصاصة مطاطية  أصابته في وجھه[7]"..


 وفي 1 أبريل أيضاً، أرسل السلطان قابوس مبعوثه الخاص، وهو وزير العدل، إلى معتصمي صلالة لينقل مطالبهم إلى السلطان، ويُبلغهم ثناء جلالته على اعتصامهم السّلمي، ملمّحاً برغبة السلطان في إنهاء الاعتصام، مستخدما عبارة: "جلالته لا يحبذ الاعتصامات"، ولكن المعتصمين أصرّوا على البقاء في الاعتصام.


 انطلقت الدّعوات لقيام مظاهرات حاشدة في صحار في 8 أبريل، ولكن بسبب القبضة الأمنيّة الناعمة، ولكن المُحْكَمة، لم تتحرّك تلك المظاهرة. وفي نفس اليوم، تمّ اختطاف الناشطين سعيد الهاشمي وباسمة الرّاجحي من قبل ملثّمين، وضربهما ورميهما في الصحراء. وقد أكد سعيد الهاشمي في شهادته في ساحة الشّعب - كما يُسمّيها المعتصمون - أمام مجلس الشورى؛ بأنّ منْ اختطفوه كانوا يرتدون أحذية عسكريّة، ويتلقّون أوامر من قيادتهم عبر الهاتف، ووجّه الاتهام إلى الجهات الأمنيّة في الدّولة. ولم يُسفر التّحقيق الذي قامت به الشّرطة عن معرفة الفاعل. وقد أصيب الناشطان بإصاباتٍ بليغة.


 فرض الأمنُ سيطرته على مواقع الاعتصامات في صحار ومسقط وبقية صور وظفار، وكانت الأعداد في عاصمة محافظة ظفار تزدادُ من حيث الانضمام للمعتصمين، وانتقل عددٌ من المحتجّين من مناطق السّلطنة الأخرى - التي أُنهيت الاعتصامات فيها بالقوة - إلى مدينة صلالة بمحافظة ظفار، وأصبحت صلالة حاضنة للاحتجاجات والاعتصامات في عُمان. استمرّ ذلك إلى أن قرّرت الحكومة في 12 مايو فضّ الاعتصامات، ونزول الجيش إلى شوارع محافظة ظفار، والتوجّه نحو مقر الاعتصامات أمام مكتب وزير الدّولة ومحافظ ظفار. وقد استفاد الجيش من تجربته في صحار، فنزل المجنّدون إلى الشّوارع دون  سلاح، ولم يكن يحملون معهم سوى العصي، وذلك فيما يبدو خوفاً من "تهوّر" أحد الجنود وإطلاق الرّصاص، مما قد يُسفر عن قتلى، وقد تمّ اعتقال عددٍ من المعتصمين، ونقلهم إلى مسقط عبر مطار سلاح الجو، وكان ممّن نُقل إلى مسقط ومن ثم إلى  سجن سمائل: "أبو عبدالحكيم عامر حاردان ، وناصر سكرون و أحمد بخيت تبوك وعلي المهري وسعيد المهري وبخيت المهري وعامر العامري وفهيم المعشني وسالم المعشني".


 وفي نفس اليوم احتشد آلاف المواطنين حول الجيش في مقرّ الاعتصام، وأصرّ عددٌ من الشّباب على إعادة الاعتصام، فتمّ اعتقال مئات الشّباب، وإيداعهم في سجن آرزات بصلالة. وقُدّر العدد في البداية بما يُقارب الألف، ثم أطلق سراح كلّ منْ وقّع تعهّداً بعدم المشاركة في التجمّعات والاعتصامات، فيما رفض عددٌ يُقدّر بحوالي 350 التوقيع على أيّ تعهّد. وقد شهد سجن آرزات اضطرابات واحتجاجات من قبل السجناء، وكادت أن تتحوّل المنطقة المحيطة بالسجن إلى ساحة اعتصام جديدة من قبل المواطنين. وخلال تلك الفترة، تعرّض الجيش إلى رشْقٍ بالحجارة من قبل المراهقين و الأطفال ليلا، وسُجّلت عددٌ من الإصابات في صفوف أفراد الجيش والشّباب الصّغار.


 وظلّ الجيشُ معكسرا في ساحة الاعتصام 17 يوما. وفي 20 مايو قطع الجيش الطريق المؤدي إلى سجن أرزات بعد عِلم الجهات الأمنيّة بأن آلافاً من الشّباب قرّروا اقتحام سجن أرزات، وفكّ أسر 350 سجينا ممن رفضوا توقيع التعهّدات، رغم الوساطات التي تمّت بين الجهات الأمنيّة والشّباب، والتي تولّتها قوّاتُ الفرق الوطنيّة، حيث إنّ الأخيرة محطّ ثقة من الطرفين - الحكومة والشباب- والتي أعلن فيها أنه سيتمّ الإفراج عن كافة المعتقلين في سجن أرزات. وفي 22 مايو كان جميع معتقلي سجن أرزات قد أطلق سراحهم دون توجيه أيّة تهم لهم. وفي 5/يونيو تمّ إطلاق سراح فهيم المعشني بسبب ظروفه الصّحيّة، وفي 4/يوليو تمّ الإفراج عن بقية المعتقلين من اعتصام صلالة. وهدأت الاعتصامات، رغم أنّ روح الاحتجاجات كانت لا تزال مشتعلة في نفوس الشباب، وذلك يعود إلى عددٍ من التّدابير التي قام بها السلطان قابوس لتحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع، ومحاربة الفساد المالي والإداري، وكذلك القيام بالإصلاحات الدّستوريّة.

 

تدابير وإصلاحات بتوجيهات من السلطان قابوس
 

وجّه السلطان قابوس أوامره وتوجيهاته للحكومة بنقل جميع رسائل الشّباب - كما هي - له شخصيّاً، وعندما حدثت أحداث صحار، وسقط قتيل فيها، أمرَ وزير ديوانه بالتوجّه فوراً حيث يجتمعُ الشّباب، ونقل مطالبهم بشفافيّة للسلطان. وقد نقل الوزير السابق تلك المطالب، وتسرّبت ورقة غير مؤكدة رسميّاً؛ كُتبت بخط اليد، وعليها توقيع وزير الديوان السابق السيد/علي بن حمود حملت 40 مطلباً من الشّباب إلى السلطان قابوس، واجتمع الأخيرُ بأعضاء مجلس الشورى المنتخب، واستمع منهم إلى شرحٍ وافٍ عمّا يحدث، ووعدهم بأنه سيُنصف الشّعب، وسيقف إلى صفّ الشّباب، ولن يتراجع أبداً عن ذلك. ثم توالت القرارات:
 

•  أعيد تشكيل مجلس الوزراء، وأعفي الوزراء الذين طالب الشباب بإقالتهم من مهامهم، ومن بينهم أهم وزيرين في الحكومة، وزير ديوان البلاط السلطاني، ورئيس مجلس الخدمة المدنيّة، وكذلك معالي الفريق أول رئيس المكتب السلطاني.

•  وجّه السّلطان الأوامر بأن تُشكّل الحكومة من وزراء مختارين من قبل الشّعب، أي من أعضاء مجلس الشورى.

•  أقيل المفتش العام للشرطة والجمارك، وحصل الإدّعاء العام على استقلاليته التامة.

•  تمّ العفو الشّامل عن جميع المعتقلين من الشباب على إثر الأحداث الاحتجاجيّة الأخيرة.

•   أمر السلطان بتعديل النّظام الأساسي للدولة - الدّستور- بحيث يُعطى مجلس عُمان سلطات تشريعيّة ورقابيّة.

•  أمر السّلطان باستقلاليّة هيئة الرّقابة الماليّة والإداريّة، ومنها سلطات تساعدها على تنفيذ مهامها الرّقابيّة.

•  طالب الشّباب ب27 ألف وظيفة، فوجّه السلطان الأوامر لتشغيل 50 ألف مواطن ومواطنة، ومن ثمّ وصل العدد في القطاعين العام (المدني والعسكري) والخاص إلى سبعين ألف، بل أصدر توجيهاته بأن تتوجّه حافلات الجيش إلى أماكن الاعتصام، وتقوم بنقل كلّ منْ يرغب في الانتساب للقوّات المُسلّحة، ويتمّ تدريبهم، وضمّهم للجيش، وبذلك استوعبت الأجهزة الأمنيّة ما يقارب من 30 ألف شاب.

•  أمر السّلطان بزيادة الاستيعاب، بل ومضاعفته، في مؤسّسات التّعليم العالي، ووجّه لدراسة إنشاء جامعة حكوميّة جديدة.

•  أمر السّلطان بعلاوة غلاء معيشة لكلّ موظّفي الدّولة، ورفع الحدّ الأدنى للأجور في القطاعين العام و الخاص.

•   أمر السّلطان بمضاعفة رواتب أسر الضّمان الاجتماعي بنسبة 100% وكذلك زيادة رواتب التقاعد بنسب تبدأ من 50%.

•   أصدر أوامره بدعم أسر الضمان الاجتماعي بمنحٍ إسكانيّة لا تسترد، وقروض مُيسّرة لذوي الدّخل المحدود.

•  إقامة استثمارات حكوميّة في مجال الثروة السّمكيّة بمائة مليون ريال عماني.

•   أكد السّلطان في خطابه أمام مجلس عمان على التزامه والحكومة بعدم مُصادرة حرّية الفكر.

•  أكد السّلطان أيضاً على ضرورة مراجعة العمليّة التّعليميّة بالسّلطنة، وإقامة الإصلاحات اللازمة.

•  أصدر أوامره وتوجيهاته بإعادة تقسيم مناطق السّلطنة إلى محافظات، والعمل على وضع القوانين التي تحدّ من الإدارة المركزيّة.

•  أصدر أوامره و توجيهاته بإنشاء المجالس البلديّة.

•  أصدر أومره و توجيهاته بإنشاء لجنة شبابيّة عليا تنقلُ مقترحاتها مباشرةً إليه، وتتبع إداريّاً مجلس الدّولة، و ألا يزيد عمر منتسبي اللّجنة عن 40 عاما.
 

وبفعل هذه الحزمة الإصلاحات سيطر الهدوء على النّاس، وزدادت شعبيّة السّلطان. ومن أبرز ما حملته تلك الإصلاحات هو منح مجلس عُمان الحقّ الرّقابي والتّشريعي، كما أنّ باب الترشّح لمجلس الشورى أُعيد فتحه، فحملت الانتخابات إلى المجلس ثلاثة من أبرز المعتصمين، وهم "د/طالب المعمري، وسالم المعشني، وسالم العوفي".

 

أبرز أحداث 2012م
 

 شهدت بداية عام 2012 هدوءاً نسبيّاً في سلطنة عمان، وكان الكثيرون يعتقدون بأنّ أحداث 2011 ولّت بلا رجعة، وأن السّلطنة عادت إلى العام 1970م، حيث امتازت بالسّكينة والهدوء. ولكن ما لبث أن اندلعت عدد من الإضرابات العمّاليّة، وكان أكثرها تأثيراً احتجاجات عمّال حقل فهود النفطي، وما صحبه من تداعيات. ورغم التّكتّم الإعلامي والأمني على الإضراب المفتوح، فقد تمّ في 31/5/2012م اعتقال  حبيبة الهنائي ويعقوب الخروصي وإسماعيل المقبالي على إثر محاولتهم تغطية ما يحدث في حقل فهود. وقد أدّى هذا الاعتقال إلى توليد حراكٍ في الأوساط الثّقافيّة، والمطالبة بالإفراج عنهم. وتمّ الإفراج عن الهنائي والخروصي في 4/6/2012م بضمان محلّ اقاماتهم، فيما مُدد حبس المقبالي. وأعقب ذلك سلسلة من الاعتقالات بتهم الكتابات التّحريضيّة، وفي هذا السّياق اعتقل إسماعيل الأغيري في 4/ 6/2011 م، وخلفان البدراوي في 6/6/2011م.
 

 

المجتمع العماني و"قضية الاعابة"
 

 طوال فترة الاحتجاجات التي شهدتها سلطنة عمان، كانت شخصية السّلطان محطّ اهتمام واحترام جُلّ العُمانيين، ولم يكن يجرؤ أحدٌ على القدح في ذات السّلطان، إلى أن ظهرت قضية "الإعابة"، حيث وُجّهت إلى مجموعةٍ من الشّباب تهمة "إهانة الذّات السّلطانيّة"، وتمّ نشر خبر المحاكمات، وانتشرت الشّائعات حول القضية، وبدأت تسري الأحاديث والأقوال التي تقدح في شخص السّلطان، وبحدّةٍ تفوقُ ما كتبه الشّباب المعتقلون أنفسهم. وقد نقلت الخبرَ جريدةُ " العمانية" على هذا النّحو: "أصدرت محكمة مسقط الابتدائيّة أمس أحكامها في قضايا الكتابات المُسيئة والتحريضيّة بحقّ ستة متّهمين أدينوا بجرائم الإعابة ومخالفة قانون تقنيّة المعلومات".
 

 "وقد قضت المحكمة بالسّجن لمدّة سنة، مع دفع غرامة مالية قدرها ألف ريال عماني، بحقّ كلّ من المتّهمين: محمد بن خاطر بن راشد البادي من مواليد ولاية صحار عام 1991م، طالب بكلّية الحقوق في جامعة السلطان قابوس، ومحمد بن زايد بن مرهون الحبسي من مواليد مسقط عام 1986 م، ويعمل في جامعة السلطان قابوس، وعبدالله بن سالم بن حمد السيابي من مواليد ولاية بهلا لعام 1988م، ويعمل في وزارة القوى العاملة، وطالب بن علي بن هلال العبري من مواليد ولاية الحمراء عام 1985م، ويعمل بجامعة السلطان قابوس، وعبدالله بن محمد بن ناصر العريمي من مواليد ولاية صور عام 1980م، ومنى بنت سهيل بن سعيد حاردان من مواليد ولاية ضلكوت عام 1988م، طالبة بكلية الهندسة بجامعة ظفار[8]"

 

قضية التجمهر:
 

 تلت "قضية الإعابة" قضيّة التّجمهر، ففي 11 يونيو 2012، خرج مجموعة من المتضامنين مع معتقلي الإعابة في ذات السلطان، للمطالبة بالإفراج عنهم، أو السّماح لهم بالتواصل مع أهاليهم، ومقابلة المحامين، ومعرفة مكان اعتقالهم. قامت السّلطات الأمنيّة باعتقال 26 فردا، وتمّ اطلاق سراح 15 فردا، والابقاء على 11 منهم. ولاحقاً، صدر بحق الــ(11) حُكما من المحكمة الابتدائيّة، أصدره القاضي يوسف الفليتي، الذي تولّى الحكم على المتهمين بعد أن تنحّى القاضي الأول، وتنحية القاضي الثاني، وذلك دون إطلاع القاضي يوسف الفليتي على كافة إجراءات المحاكمات التي حدثت قبل تولّيه، كما اتضح لاحقاً من خلال محكمة الاسئناف، ودون حتى الاستماع لشهادات الشهود، واكتفى بما قدّمه الإدّعاء العام من بيانات. وحكم يوم 8/8/2012 بالحبس لمدة سنة بتهمة التجمهر بغرض الإخلال بنظام الأمن العام، والشغب وعرقلة حركة السير، قبل أن يُخفّف لــ6 أشهر عبر الاستئناف، بعد أن تمّ إلغاء تهمة عرقلة السير.
 

 في آخر جلسة استئناف يوم 21/11/2012م، وقبل جلسة النّطق بالحكم، سُئل الإدّعاء العام: لماذا عرضت التّعهّد على ال15 معتقلا، وأفرجت عنهم، ولم تعرضه على الــ11 الآخرين؟ فأجاب:" لأنّنا كنّا نعرف أنّنا حتى لو عرضنا عليهم لن يوقّعوا"[9].

 
وقد نُشرت أسماؤهم في الصّحف ووسائل الإعلام، وصورهم مع بعض المعلومات الشّخصيّة عنهم، وجاء نصّ الخبر في جريدة "عمان" نقلاً عن وكالة الأنباء العمانيّة على النّحو التّالي: "أصدرت محكمة مسقط الابتدائيّة في 8/ أغسطس 2012م أحكامها في قضيّة التّجمهر بحقّ (11) أحد عشر متّهماً أُدينوا بجرائم التّجمّهر بقصد إحداث شغب وتعطيل حركة المرور... تالياً تفاصيل الأحكام... كما أصدرت محكة مسقط الابتدائية بتاريخ 8 اغسطس لعام 2012 حكمها في قضية الكتابات المسيئة والتحريضية بحق المتهم اسامة بن حمد بن خلفان آل تويه ، الذي ادين بجرائم الاعابة ومخالفة قانون تقنية المعلومات .. تاليا تفاصيل الحكم.
 

الاسم : أسامة بن حمد بن خلفان آل تويه، من مواليد ولاية مطرح لعام1992 طالب بالكلية التقنية العليا بالخوير، وحُكم عليه بالسجن لمدّة سنة، مع دفع غرامة ماليّة قدرها ألف ريال عماني، بتهمتي الإعابة ومخالفة قانون تقنية المعلومات" (.[10]

 

تداعيات قضية التجمهر والإعابة:
 

 كان من أولى تداعيات قضية الإعابة هو البيان الذي أصدرته جمعيّة الكتّاب والأدباء العمانيين والذي جاء فيه: "تلقت الجمعيّة ببالغ الأسف نبأ الحكم القضائي بإدانة عددٍ من أعضائها بتهمتي التجمهر بقصد إحداث شغب وتعطيل حركة المرور، وهم: الكاتب والباحث سعيد بن سلطان الهاشمي الحائز على جائزة الإنجاز الثّقافي البارز في عُمان عام 2009، والكاتب والنّاقد ناصر صالح، الفائز بجائزة سعاد الصباح العربيّة في النقد، والكاتبة والمحامية بسمة مبارك سعيد، والكاتبة والإعلامية باسمة الراجحي وغيرهم.. وإذا كانت الجمعيّة لا تودّ التّعليق على أحكام القضاء ما دامت درجات التّقاضي مازالت قائمة، إلاّ أنه لا يسعها أن تقف موقف الصامت من الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها وترتكبها الجهات الضبطيّة العُمانيّة بحقّ كتّاب يمثّلون طليعة شباب عُمان ونخبتها الواعية، وعدّة مستقبلها الزاهر (..) هذه الانتهاكات التي تتعارض بشكلٍ صارخ مع القوانين العُمانيّة المعمول بها في الدّولة، وفي مقدّمتها النّظام الأساسي للدّولة، الذي يُعدّ بمثابة دستور للبلاد، ناهيك عن تعارضها مع القوانين الدّوليّة التي وقّعت عليها السّلطنة بموجب اتفاقيات ومعاهدات دوليّة."
 

 ثم سرد البيان هذه الانتهاكات، بما فيه تغيير القضاة بشكل مستمر، والاحتجاز التعسفي لأشهر من دون معرفة التهمة.
 

 وقد لاقت قضية التجمهر تعاطفاً شعبيّاً في الأوساط العُمانيّة، في حين انقسم المجتمعُ حول قضية الإعابة بين منْ يعتقد أن الأحكام كانت قاسية، و بين منْ يذهب إلى أنّهم "يستحقّون ذلك"،  بل ذهب البعضُ إلى المطالبة بأحكام أشدّ قساوة.
 

- توالت الكتاباتُ المُندّدة بالحكم عبر الشّبكة الإلكترونيّة، بخصوص قضيّة التجمهر، كما قامت عددٌ من جمعيّات حقوق الإنسان بإدانة تعامل حكومة سلطنة عُمان مع حرّية التّعبير. ومثال ذلك، التّصريح الذي صدّرته هيومن هيومن رايتس ووتش ومركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، وجاء فيه: "إنّ الحكومة العُمانيّة عليها إسقاط القضايا المرفوعة ضدّ تسعة من نشطاء الإنترنت، ومتظاهر واحد، أدينوا جنائياً، لا لشيء إلا لممارسة حقّهم في حرّية التّعبير، والقضايا منظورة الآن أمام محكمة الاستئناف العُمانيّة.
 

     قال نديم حوري، نائب مدير قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: "
 

"قبل أكثر من عام أعلن السلطان عن سلسلة من الإصلاحات التي تستهدف تشجيع الديمقراطية وإنهاء الفساد في السلطنة. وها هي حكومته الآن تعاقب الناس على مطالبته بالوفاء بالوعود"[11].

 - ومن تداعيات هذه القضية أيضا دخول المُدانيين فيها الإضراب المفتوح احتجاجاً على تأخّر نظر المحكمة العليا، وقد أصدر المركز الدّولي لدعم الحقوق والحرّيات بياناً جاء فيه: "يُعرب المركز الدّولي لدعم الحقوق والحريات عن استيائه البالغ وعن قلقة بسبب ارتفاع عدد النّشطاء المُضربين عن الطعام داخل سجن سمائل بسلطنة عمان إللى 23، ودخول النشطاء سعيد الهاشمي وعبدالله العريمي وبدر الجابري مرحلة حرجة، فيما تتدهور الحالة الصّحيّة لباقي النشطاء العمانيين تباعا".
 

  وقد  "قامت المحكمة العليا اليوم 4 مارس/آذار 2013 بالنقض والإحالة في بعض الطعون المُقدّمة لها من معتقلي قضية الرّأي "التجمهر"، حيث قضت بإلغاء أحكام التجمهر التي تدين المتهمين وتأمر بإعادة القضية لمحكمة الاستئناف مُجدّدا للنّظر في القضية، مع تغيير للجنة الاستئناف عن اللّجنة السّابقة التي كان يرأسها محمد الأخزمي وبعضوية كلٍّ من: المختار الحارثي وبدر الراشدي.
 

 ويترتّب على هذا النقض الإفراج عن المعتقلين الذين تمّت الموافقة على الطعون المُقدّمة منهم. وقد قبلت المحكمة طعون كل من: باسمة الراجحي، بدر الجابري، وبسمة الكيومي، سعيد الهاشمي، عبدالله الغيلاني، محمود الجامودي، مختار الهنائي ناصر الغيلاني. ورفضت طعون كلّ من: خالد النوفلي، محمد الفزاري، محمود الرواحي (لغير ذي صفة). وعليه فقد باشر كلّا من المحامين خليفة الهنائي وقيس القاسمي مباشرة إجراءات الاستئناف اللازمة لهذا الأمر، وإخراج موكّليهم الذين تمت الموافقة على طلباتهم".[12]

-
ومن تداعيات هذه القضية، رفْضُ أهالي المتهمة في قضية الإعابة، منى سهيل حاردان، تنفيذ الحكم القضائي، ورفضت قبيلتها تسليمها لرجال الأمن الذي حاولوا تنفيذ الحكم القضائي في يوم الأربعاء 6/3/2013م، وحتّى تاريخ كتابة هذه السطور(11/3/2013) لم يتم تسلميها، كما لم تقم قوات الأمن بمداهمة المنزل خوفاً من حدوث مواجهات بين رجال الامن و قبيلة حاردان.
 

 وفي آخر التطوّرات في القضية، أعلن السّلطان قابوس في 22 مارس العفو والإفراج عن كلّ المتهمين في قضية الإعابة، وتمّ تحليل هذا الموقف من قبل بعض المراقبين على أنه مباردة لتهدئة الأوضاع، في ظلّ سخونة الأجواء السّياسيّة العامة. وعلى الرّغم من التغطية الإعلامية المتدنية نسبيّاً لاحداث عمان، في حال مقارنتها بجيرانها في البحرين والكويت والإمارات؛ إلاّ أنّ عام 2013 ينبيء بتواصل الاحتقان السّياسي وتطوّراته في عمان، كما هو الحال في جاراتها من دول مجلس التعاون.

 

لقراءة الجزء التالي من الاصدار                                                                  

لقراءة النسخة الكاملة من الاصدار (pdf) 

لتصفح محتويات الاصدار الكترونيا

 


[1]  منى سالم سعيد جعبوب، " قيادة المجتمع نحو التغيير: التجربة التربوية لثورة ظفار  - 1969-1992م"، (بيروت، مركز داسات الوحدة العربية، 2010م)، ص 105

[2]   حسين محمد البحارنة، " دول الخليج العربي الحديثة: علاقاتها الدولية وتطور الأوضاع السياسية والقانونية والدستورية فيها". (بيروت: شركة التنمية والتطوير، بروديكو، كتلة مؤسسات الحياة، 1973)،  ص 144-145.

[3]  استطلاع الباحثة لرأي عدد من المثقفين العمانيين المشاركين في الحراك السياسي و الثقافي في عمان.

[4]  عمار المعمري، "الإطار الدستوري والتشريعي لعمل مؤسسات المجتمع المدني في سلطنة عُمان"، الجزء الثاني). تاريخ الاسترداد 6 مارس,( 2013، http://omanammar.blogspot.com/2012/03/blog-post_04.html

[5]  مقدّم برامج في قناة "الحرّة" الفضائيّة.

[6] Kenneth Katzman. (August 30, 2012). Oman: Reform, Security, and U.S. Policy. New York: Congressional Research Service.

[7] معاقبة "إعابة الذات السلطانية" جزء من حملة قمع أوسع، 2012. بيروت: HUMAN RIGHTS WATCH.HUMAN RIGHTS WATCH، .

[8]  وكالة الانباء العمانية، السجن لــ 12 متهما بأحداث شغب وتعطيل المرور وجرائم الإعابة، جريدة "عمان"، 2012م.

[9]  المرصد العماني لحقوق الانسان، . http://www.facebook.com/MHROMN?ref=stream. تاريخ الاسترداد 7 مارس, 2013

[10]  وكالة الأنباء العُمانيّة، مصدر سابق.

[11]  هيومن رايتس ووتش، "مقاقبة إعابة الذات السطانية جزء من حملة قمع أوسع"، يوليو 2012.

[12]  المرصد العماني لحقوق الإنسان، http://www.facebook.com/MHROMN?ref=stream. تاريخ الاسترداد 7 مارس, 2013