مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

2.6

طباعة PDF

 تُعتبر قطر اليوم لاعباً مؤثّراً برز بريقه مؤخّراً على  السّاحة الإقليميّة والدّوليّة، وخاصة في أحداث الانتفاضات العربيّة، والتي تُعدّ الدّوحة طرفاً جدّيّاً فيها. إلا أن هذا الجزء من البحث سيُركّز على التطوّرات السّياسيّة المحلّيّة في قطر، والتي خرج منها بعضُ الأصوات المُطالبة بإصلاحات سياسيّة، تجعل المواطن القطري مُشاركاً وصانعاً للقرار في بلده.
 

 يرى البعض بأن الرّفاهية التي يعيشها المواطن القطري، في ظلّ نظام الحكم الحالي، عائقاً يحول دون تشكيل حراكٍ شعبي على مختلف المجالات، وقد كانت الزّيادة التي شملت رواتب المواطنين في سبتمبر 2011  تُعزز هذه الرّفاهيّة، حيث إن رواتب الموظّفين المدنيين العاملين في القطاع العام تمّت زيادتها بنسبة 60% والعسكريين بنسبة 120%.[1]


 ولكن ما جاء بعد قرار رفع معاشات المواطنين قد يعتبر أكبر تطوّر سياسي رسمي على المستوى المحلي[2]، وهو إعلان أمير قطر في نوفمبر 2011 - أثناء افتتاح الدّورة الأربعين المنعقدة لمجلس الشورى المعيّن - إجراء انتخابات لمجلس الشورى في النصف الثاني من عام 2013. إلا أنه حتى كتابة هذا البحث، لم تبدأ الدّولة في القيام بأيّ إجراء "علني" يدعم ذلك الوعد[3]. وذلك بالرغم من أن الصّحافة القطريّة غطّت، ولأيام متواصلة، خبرَ موافقة مجلس الوزراء على مشروع مرسوم بتحديد الدّوائر الانتخابيّة لمجلس الشورى في منتصف 2012، ولكن حتى الآن لم يطّلع أي شخص على القانون المذكور، وتكثر التّكهّنات حول ماهية هذه الانتخابات، وما إذا كانت ستُفتح للاقتراع العام، أم أنها ستقتصر فقط على جزءٍ مُعيّن من المواطنين، على غرار الحال في الإمارات.  ولم يتم رصد أية ردود فعل محلّيّة قوية تُذكر حول هذا الإعلان، والذي يبدو أنه أحدث ضجّة خارج قطر أكثر من داخلها. هذا ويُذكر أن قطر قد نظّمت اربعة انتخابات للمجلس البلدي منذ عام 1999، وآخرها كان عام 2011.

 

بوادر المجتمع المدني
 

 تواجه محاولات انشاء مجتع مدني فاعل في قطر صعوبات بالغة، في ظلّ قانون الجمعيّات الحالي، والذي يُعيق محاولات إنشاء جمعيّات سياسيّة ومهنيّة ونقابية.

 
وبالامكان الإشارة في هذا الصدد الى محاولة عدد من المعلّمين تأسيس "جمعية المعلّمين القطريّة"، وجاءهم الرّدّ بالرفض من قبل إدارة الشئون الاجتماعيّة، لأن "مهنة التّعليم غير منظمة بقانون"[4]، ويُعتبر الرّدّ، بحدّ ذاته، تطوّراً، لأن العديد من المُتقدّمين لتأسيس مثل هذه الجمعات؛ لا يأتيهم أيّ رد، ووفقا للقانون، فالإدارة ليست مُلزمة بالرّد.


 وان كانت تلك المعوّقات الماديّة والإدارية والقانونيّة التي يواجهها منْ يحاول تأسيس أيّ نوع من الجمعيّات؛ قد حالت دون تأسيس مؤسسات مجتمع مدني، الا انها لم تتمكن من تغييب الوعي السياسي في المجتمع. وقد يجد منْ يبحث عن هذا الوعي في التّجمّعات الأهليّة ومواقع التّواصل الاجتماعي؛ مؤشراتٍ لهذا الحراك غير المُنظّم.

 

على شبكة الانترنت
 

 أسفرت مواقع التواصل الاجتماعي عن "حملات" عّدة، وُضعت فيها مؤسساتٌ حكوميّة وغير حكوميّة تحت الضغط[5]، وهذا ما حدث مع حملة مقاطعة شركة الاتصالات "كيوتل"، والتي انتهت باجتماع مع ممثلين من الشّباب المُنظّمين للحملة والأخذ بآرائهم. وحملة مقاطعة مطاعم في مشروع اللؤلؤة، حتّى توقّفت تلك عن بيع الخمور ولحم الخنزير في مطاعمها[6]. وتستمرّ حملة مقاطعة الخطوط الجويّة القطريّة بقيادة الكاتبة مريم آل سعد، والتي تُطالب "بتغيير إستراتيجية «القطرية» ورفع الخمور منها وإعادتها لحظيرتها الإسلاميّة.[7]"

 
وكان أحد أبرز "نجاحات" هذا الحراك المحافظ منع الكاتبة السّعودية بدرية البشر من إلقاء محاضرة كانت متوقّعة لها في مايو 2012 في جامعة قطر بدعوةٍ من كلية الآداب والعلوم، قسم الّلغة الإنجليزية. حيث علت الأصوات من داخل الجامعة وخارجها، للمطالبة بإلغاء المحاضرة بسبب ما جاء في أحد نصوص الكاتبةتبعاً لما جاء على لسان أحد الشخصيات - والذي اعتبره البعض تطاولاً على " الذّات الإلهيّة"[8].


 كما ظهرت بعض الأنشطة الشّبابيّة في قطر ذات الاهتمام بالشّؤون السّياسيّة، على الرغم من عدم تطرّقه الكثير منها بشكلٍ مباشر إلى الوضع السّياسي المحلّي، حيث كانت تتحدّث، في الأغلب، بشكل هامشي على الدّاخل. ومن أمثلة ذلك هذه التحرّكات، مجموعة  "شباب قطر ضدّ التطبيع"، والتي تحاول أن تُوقف عملية التّطبيع المتزايد في قطر مع العدو الصهيوني، والضّغط على المؤسّسات الحكوميّة لمُقاطعته وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على العدو[9]. ونظّمت هذه المجموعة - ولسنتين على التوالي - وبالتعاون من الأندية الطّلابيّة "اسبوع الفصل العنصري الإسرائيلي" في العاصمة القطرية الدوحة في مارس 2012 و2013، وهي فعّالية تُعقد بالتّزامن في عدد من المدن حول العالم[10]. ومن الجدير بالذّكر، بأنّ هذه المجموعة اُستلهمت من تجربةٍ سابقة لمثقفين قطريين حاولوا إنشاء "الجمعية القطرية لمساندة الحقوق الفلسطينية" [11]ولكنها، وكبقية الجمعيّات، ووجهت بالرّفض من قبل إدارة الشئون الاجتماعية بوزارة شئون الخدمة والإسكان.
 

 وفي ظلّ هذا النّشاط القائم على مواقع التواصل الاجتماعي، لم يكن مستغرباً لدى الكثير استمرار الدّولة في حجب عددٍ من المواقع الإلكترونيّة، والمطالبة بتوفيرٍ معلومات عن مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي من قبل الحكومة القطريّة، كما فعلوا مع موقع تويتر.

 

على أرض الواقع
 

 ينصّ الدّستور القطري على حقّ التّجمع، إلا أنّ القانون رقم (18) الصادر سنة 2004 يتطلبُ من منْ يرغب في تنظيم مسيرة أو اجتماعٍ "يُشارك أو يُتوقّع أن يُشارك فيه أكثر من عشرين شخصاً لمناقشة موضوع عام، ويعقد في مكان خاص أو عام"؛ أن يحصل على ترخيصٍ من مدير عام الأمن بوزارة الدّاخلية"، وأن يكون الطّلب مُقدّم قبل الموعد المُحدّد، واذا لم يُستلم ردّ قبل الموعد بثلاثة أيام، يُعتبر ذلك بمثابة رفض[12].


 ولكن، وبرغم هذه القيود، تُقام تجمّعات أهلية تهتم بالشّؤون السّياسيّة. ففي أبريل 2012، أصدرَ مجموعة من المواطنين المهتمين بالشأن العام كتاب "الشعب يريد الإصلاح في قطر.. أيضا"، الذي يُوثّق في فصوله الأحد عشر أوراقاً ومواضيع طُرحت وتمّ مناقشتها في مجلس الدكتور علي خليفة الكواريمنسق ومُحرّر الكتاب- على مدى عام، من 14 مارس 2011 إلى 6 فبراير 2012، فيما يُعرف ب"لقاء الإثنين". وعرّف الدكتور الكواري في مقدمة الكتاب القائمين على هذا الكتاب بأنه يمكن تسميتهم ب"قطريون من أجل الإصلاح". وهناك مجالس أخرى تُنظّم في الدوحة، مثل مجلس آل إبراهيم، ومقعد الدرويش )نسائي), ومجلس شبابي آخر على شكل مؤتمر للتّعرف على المبادرات الشّبابيّة سنوياً[13].


 أمّا بخصوص التّجمّع الذي يأتي على شكل المسيرات، والوقفات المهتمة بالشؤون الدّاخليّة؛ فهي قليلة. وآخرها صدرت من قبل أهل الأسير القطري المعتقل في السجون الأمريكية، علي صالح كحلة المري. وكان من المُتوقّع أن تكون الوقفة المُرخّصة أمام السّفارة الأمريكيّة في شهر مارس 2013 تضامناً مع الأسير، والذي يعيش وضعاً غير إنساني في معتقله في الولايات المتحدة الأمريكيّة؛ إلا أنه - وقبل الموعد بأسبوع - تفاجأ كلّ منْ كان ينوي المشاركة في الوقفة الاحتجاجيّة، بظهور أهل المعتقل في مؤتمر صحفي مطالبين المُتعاطفين مع القضية بعدم التّوجه إلى السّفارة، وأُعتبر الإلغاء قد تمّ بناءً على طلبٍ من المعتقل نفسه. وكان المُبرّر وراء ذلك، هو تحسّن ظروف معاملته في الفترة الأخيرة، وتمّ السّماح له بالحصول على العلاج الطبي الذي يحتاجه[14].

 

حرّية التّعبير
 

واذا كانت حرّية التّجمع والعمل الجماعي يعتبران مقومين مهمين لإنجاح التّجربة الانتخابيّة التي تنوي أن تخوضها دولة قطر في النصف الثاني من 2013م، فإنّ حرّية التّعبير وحرّية الصّحافة والنشر لا يقلاّن أهمية عن تلك الحقوق. لذلك، نستعرض في القسم التالي التّطوّر الحاصل في قطر في مجال حرّية التعبير وحرية الصّحافة، هذا البلد الذي يملك قناة "منبر منْ لا منبر له".


في نوفمبر 2012 حكمت محكمة أمن الدولة القطرية على الشاعر القطري محمد بن راشد العجمي المعروف ب"ابن الذيب" بالسّجن المؤبد[15]، بعد أن تمّ اعتقاله في العام 2011 بتهمة "التطاول على رموز الدّولة والتحريض على الإطاحة بنظام الحكم". ومثل هذه الاتهامات والاعتقالات ليست الأولى من نوعها، ففي 2010 تمّ اعتقال الحقوقي سلطان الخليفي، وسالم الكواري، وعبدالله الخوار، والذين تمّ الإفراج عنهم لاحقاً، دون محاكمة[16]. ومازال يقبع في السجن فواز العطية، المتحدّث السّابق باسم وزارة الخارجيّة القطرية، والذي لا توجد أيّة معلومات عن حبسه[17]..


كما ظهرت إشاعة، وبخاصةٍ في أوساط وسائل الإعلام الغربية، بأن سبب سجن "ابن الذيبابن الذيب" هو  نشره لقصيدة الياسمين، والتي وجّه فيها انتقادات شديدة للحكومات في مختلف أنحاء الخليج، قائلاً: "كلنا تونس بوجه النخبة القمعيّة". كما تضمّنت القصيدة إشادة بالثّورة التّونسيّة، وانتفاضات الشعوب في كثير من الدّول، فيما بات يُعرف بـ"الربيع العربي". إلاّ أن الكثير من المراقبين المحلّيين يعتبرون أنّ السّبب الحقيقي وراء السجن، هو الهجاء والإساءة الشّخصيّة إلى أمير البلاد في قصائده، وليس تلميحاته إلى الانتفاضات العربيّة.


وقال محامي "ابن الذيب"، وزير العدل السابق السيد نجيب النعيمي في تصريح له بعد الحكم: "المؤبد لابن الذيب إخفاق للعدالة، وسنطعن في الحكم"[18].


هذا وقد انتقدت العديد من المنظّمات الحقوقيّة الحكم الصّادر على "ابن الذيب"، وكانت منظمة هيومن رايتس وواتش قد أثارت قضية "ابن الذيب" في أكثر من مناسبة، وذلك عبر رسالة رسميّة بعثت بها إلى المدّعي العام القطري، طالبته فيها بـ"احترام حرّية التّعبير وعدم ملاحقة الناس بسبب آرائهم"، غير أنّ المنظمة لم تتلق رداً رسمياً على رسالتها، ما دفعها إلى إصدار بيان رسمي حول القضية. ومؤخراً تم الاستئناف في ضية "ابن الذيب"، وتمّ تقليل الحكم من المؤبّد إلى 15 سنة[19].


أمّا من ناحية حرّية النّشر، فإنّ كتاباً مثل "الشعب يريد الاصلاح في قطر... أيضاً"؛ مُنع من التّداول، بالرّغم من تنوّع المواضيع التي تطرّق إليها الكتاب، وأهمّيتها الملموسة، وارتباطها بحياة كلّ مواطن قطري، وهو ما أثار ضجّة على مواقع التواصل الاجتماعي. وبسبب عدم وجود صحافة أو وسائل إعلام محلّية مستقلة وحرّة؛ فإنّه لم يتمّ التطرّق إلى الكتاب المذكور، وبأيّ شكلٍ من الأشكال. وبرغم هذه الظّروف الخانقة، فإنّ الكتاب نفذت طبعته الأولى، وهو الآن في طور صدور نسخته الثّانية.


والحقيقة أنّ منع الكتب في قطر ليس الأوّل من نوعه، فكتاب الكاتبة القطرية نورة آل سعد "العريضة"، والذي يحتوي على سردٍ روائي يُوثّق أحداثاً تاريخيّة في قطر، مثل أحداث أبريل 1963، وعريضة 1991؛ يُمنع سنويّاً في معرض الكتاب. ولا تُمنع الكُتب في قطر فقط، بل أيضاً يواجه كتّاب الأعمدة دائماً قرار منع مقالاتهم، ممّا يضطّرهم لنشر كتاباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، أو في صحف الدّول المُجاورة.


وبناءً على ما سبق، فإننا نستطيع أن نستنتج بأنّ الدخل الاقتصادي العالي نسبيا ليس العامل الوحيد الذي يسدّ الحراك السّياسي الشّعبي، فكما هو الحال في أغلب بقية دول المجلس؛ فإنّ حرّية التّعبير في قطر تواجه قيودا كثير، بالإضافة إلى انعدام توفّر مؤسسات المجتمع المدني، وعدم توفر جمعيّات ونقابات سياسيّة ومهنيّة. وكلّ ذلك يُعيق نشوء أيّ تطوّرٍ سياسي، والوصول إلى الدّيمقراطيّة المنشودة.


لكن بودار التحرّكات في قطر، على الرّغم من ندرتها وتفاوتها، توميء بأنّ الثّابت من "سلطة أكثر من مطلقة، ومجتمع أقلّ من عاجز"؛ قد يشهد تحوّلات غير متوقّعة، حتّى في المجتمع القطري.

 

لقراءة الجزء التالي من الاصدار                                                                  

لقراءة النسخة الكاملة من الاصدار (pdf) 

لتصفح محتويات الاصدار الكتروني

 


[12]  حسن السيد، "وقفات دستورية: محاولة لنشر الثقافة الدستورية في المجتمع القطري"، المؤسسة العربية للدراسات والنشر: الأردن، 2008م.

[13]  روضة الدوسري، "ثقافة المشاركة المدنية عند الشباب القطري: المجلس نموذجاً"، (رسالة ماجستير، 2011م)