مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

4.3

طباعة PDF

 
شهدتْ دولة الإمارات خلال الفترة من 2005 وحتى 2008م  نمّواً اقتصاديّاً استثنائيا، أدّى إلى إقبال رجال الأعمال على الاستثمار في المنتجات العقاريّة التي يُعاد بيعها. وتفنّنت الإمارات، وخاصة إمارة دبي، في فنّ البناء من حيث التصميم والهندسة والفخامة، وأصبحت النّموذج المالي الأول للمنطقة، واستقطبت مستثمري العالم، الذي خوّلها أن تُصبح مركزاً حيويّاً للمؤتمرات والمهرجانات والفعّاليات العالميَّة. 
 

 وقد كان يحلو للبعض القول بأنّ الإمارات تحوّلت إلى شركة ضخمة تُسخّر جميع القوانين لدعم النّمو العقاري والتّجاري، فارتفعت معدّلات الاستثمار إلى مستوياتٍ فاقت التوقّعات، وأفسحت المجال لبعض الحكومات المحلّيّة لسنّ قوانين تجيز للمستثمر الأجنبي التملّك الحرّ في قطاع العقارات، وحرّية الاستثمار في المشاريع الكبيرة، وتولّدت علاقةُ مثاليّة بين المستثمر والحكومة بشكل عام، كما شجّع ذلك بعض الحكومات المحلّية - عبر شركاتها الخاصة - إلى مزاحمة القطاع الخاص في جني أرباح قطاعي العقار والخدمات.
 

 وإزاء هذا النّمو والازدهار العاصف والسّريع وغير الحذر أحياناّ؛ وما تمخّض عنه من أزمةٍ ماليّة عالميّة بدأت في عام 2008؛ تقلّص هذا المدّ بشكل كبير نتيجة ارتباط سوق الإمارات، وإمارة دبي خاصة، بالسّوق العالمي عامةّ، والسّوق العقاري على وجه الخصوص. والذي أدّى إلى تعرّض عددٍ من الشّركات الخاصة والحكوميّة إلى شبح الإفلاس نتيجة القروض المُترتّبة على الاستثمارات المفرطة في القطاع العقاري. ولولا عوائد النّفط المرتفعة؛ لكان الوضع أسوأ ممّا يُتصوَّر. وفي بعض التّقديرات لم تقل ديون الأزمة في الإمارات عن 130 مليار دولار[1]. ولقد شغلتْ هذه الأزمةُ هاجِس الكثير من المستثمرين، وزادت مخاوفهم، وطبقا ل "وول ستريت جورنال" الأمريكية: "فإن الأزمة المفاجئة لديون حكومة دبي أثارتْ مخاوف المستثمرين، وأضفت أجواء من القلق على الأسواق المالية لعالمية؛ حيث أصبحت مثقلة بديون تُقدّر بعشرات المليارات من الدّولارات، أنفقتها الشركات في بناء المشاريع العقارية الضخمة".[2] وإذا ما افترضنا 175 ألف مواطن في دبي[3]، فهذا يعني أن 130 مليار دولار من الدّيون تعني معدل دين خارجي يزيد  على742 الف دولار أمريكي لكلّ مواطن، وهو رقم مخيفٌ جدا. 


 وفي هذا الصّدد، رأى بعض الخبراء الاقتصاديين أنّ الإمارات، وخاصة دبي، أسرفت في مشاريع عقاريّة كبرى، واقترضت بعض شركاتها الحكوميّة قروضاً أكبر من طاقتها؛ على أمل أن تقوم هذه الشّركات ببيع الممتلكات والمنتجات العقاريّة لتسديد الدّيون، ولا سيما في ظلّ الإقبال الشّديد على العقارات وتوقّعاتهم بتواصل ارتفاع أسعارها. 
 

 وخروجاً من هذه الأزمة؛ قامت الحكومة الاتّحادية، وحكومة أبوظبي المحلّية، بتحمّل عبئ تلك الدّيون عبر تقديم حزم من الإنعاش المالي، تُقدّر بأكثر من 10 مليار دولار أمريكي[4] لتدارك الوضع المالي للمصارف والمؤسّسات الحكوميّة، وحمايتها من الإفلاس نتيجة القروض الضّخمة. كما تمّ الإعلان عن إعادة جدولة ديون بعض الشّركات والمصارف الحكومية وإعادة هيكلتها.
 

 وبالرّغم من ذلك، وفي ظلّ ارتفاع أسعار النفط الخام خلال الأعوام 2010 – 2012؛ يُواصل النّاتج المحليظاهريّاً على الأقلتعافيه من حالة الرّكود الاقتصادي العالمي، حيث من المتوقّع أن يشهد نمّواً حقيقيّاً بنسبة 4 %  لعام 2012م، وذلك وفقاً لصندوق النّقد الدولي[5]. واحتلّت الإمارات المركز الثّاني بعد السّعودية من حيث استقطابها للاستثمار الأجنبي المباشر في دول الخليج، وسجّلت التّجارة الأجنبيّة غير النّفطيّة في دبي وحدها رقما قياسياً بلغ 605 مليار درهم إماراتي خلال النّصف الأوّل من عام 2012م، بزيادة 12%  عن الفترة نفسها من السّنة الماضية[6].


 وما انفكت دولة الإمارات تواصل تسلّقها بناءاً على المؤشّرات المعتمدة في التّصنيفات العالميّة، فوفقاً لتقرير التنافسية العالميّة الصّادر مؤخراً عن منتدى الاقتصادي العالمي 2012، احتلت الإمارات المرتبة 24 من أصل 144 دولة حول العالم، متقدّمة ثلاثة درجات عن السّنة الماضية. وصنّف تقريرالتنمية البشرية 2011 الصّادر عن الأمم المتحدة؛ الإمارات في فئة الدّول ذات التنمية البشريّة المرتفعة جداً، وجاءت في المرتبة 30 لمؤشر التنمية البشرية العالمي. ولتحافظ على الرّقم الأول عربياً للسّنة الثّانية على التوالي. وبلغ معدل الرفاه أو الرضا العام عن الحياة وفق التقرير في الإمارات 7.1 درجات، ويعدّ من أعلى المعدّلات العالميّة.
 

 ولكن هذه المؤشرات لا تتطرق إلى العوامل الهيكليّة في البنيّة الاقتصاديّة في دولة الامارات، والتي بالإضافة إلى الديون المرتفعة وأزمة العقار التي لا تزال تعاني منها دبي؛ تواصل كغيرها من دول الخليج في الاعتماديّة المفرطة على ثروة النفط الناضبة، والاقتصاد الاستهلاكي الطفيلي الذي نمى حوله. وفيما يلي نقدّم أهم ملامح اقتصاد الإمارات، على أمل الوصول إلى فهم أفضل لأهمّ العوامل والتطوّرات فيه على مدى السّنوات القليلة الماضية.

 

تركيبة الاقتصاد والناتج المحلي في الإمارات
 

 وفق أرقام المركز الوطني للإحصاء، شكّل النّفط الخام والغاز الطبيعي 30% من إجمالي النّاتج المحلّي في الإمارات، وتبعها قطاع قطاعات الجملة والتجزئة وخدمات الإصلاح (13%) والتشييد والبناء (11%) والعقارات وخدمات الأعمال (10%). 

 

 وبذلك بلغت مساهمة القطاعات غير النّفطية في الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الحقيقيّة؛ ما نسبته 70% في عام 2011م، بينما لا زال الباقي (30%) يأتي من القطاع النفطي، وهي نسبة مرتفعة جدا. وتبقى المنتجات النفطية هي أهم الصادرات الإماراتية (40%) ومن بعدها السّلع المُعاد تصديرها (38%).

    

 ونظرا للتساؤلات المطروحة حول البيانات الحكوميّة، وتباين إحصاءات المراكز الاحصائيّة في الإمارات ما بين المحلّية والاتّحادية؛ تبقى بيانات منظمتي صندوق النّقد الدولي والبنك الدّولي؛ أقرب إلى الدّقة، وعليه فقد توقّع صندوق النّقد الدّولي في أحدث تقرير له بعنوان "مستجدات آفاق الاقتصاد الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى"؛ أن يرتفع إجمالي النّاتج المحلّي الإجمالي للإمارات إلى 386.4 مليار دولار في عام 2012م، مقابل 360.1 مليار دولار في عام 2011م، وتوقّع أن يصل إلى 394.5 مليار دولار في عام 2013م[7].

 
كما توقّع الصّندوق أن يُحقّق إجمالي النّاتج المحلي غير النفطي نمواً بواقع 3.8% في عام 2013. من  3.5% في 2012، بعد أن كان  2.7% في 2011،  و2.1% في 2010. وتوقّع التقرير أن يُحقّق إجمالي النّاتج المحلّي الإجمالي الحقيقي لدولة الإمارات نمواً سنوياً بواقع 2.3% في 2012، ليُعاود ارتفاعه إلى 3.8% في 2013.


 وحول نمو إجمالي النّاتج المحلي النّفطي توقّع التّقرير أن يبلغ 1.0% في 2013، دون إشارة إلى العام 2012. وقال الصّندوق إنّ رصيد الحساب الجاري بلغ 9.2% من إجمالي الناتج المحلي في 2011، بمبلغ 33.3 مليار دولار، ويُتوقع ارتفاعه إلى 10.3% في 2012، بمبلغ 40.0 مليار دولار، و10.4% في 2013، إلى 40.9 مليار دولار.

 

القطاع النفطي
 

 إنّ أيّة مقاربة للاقتصاد الإماراتي لابدّ وأن تبدأ من القلب النابض للاقتصاد، أي النّفط. شهدت الصّناعة النّفطيّة عام 2012 في الإمارات الانتهاء من تنفيذ عددٍ من المشاريع الهامة، وبدء تنفيذ مشاريع جديدة أو استكمال عدد كبير من المشاريع التي ترفع من القدرة الإنتاجيّة للدّولة، وإنجاز أوّل مشروع بالمنطقة يخوّل الإمارات تصدير 1.5 مليون برميل نفط يوميّاً، عبر بحر العرب، دون المرور بمضيق هرمز[8].

 
وتشير التّقارير أن الطّاقة الإنتاجيّة للإمارات من النفط تُقدّر في عام 2012م بنحو 2.6 مليون برميل يوميّاً، متوقّعاً ارتفاعها إلى 2.8 مليون برميل، وهناك توجّه بأنّ يقفز إنتاج النّفط إلى 3 ملايين برميل يوميّاً، وفق بيانات وزارة الطاقة[9].


 وسجّلت صناعة النّفط الإماراتيّة، في يوليو الماضي، أحد أهم وأكبر إنجازاتها والتي تمثلت بتصدير أوّل شحنة نفط من الحقول البريّة لإمارة أبوظبي من ميناء الفجيرة بعد الانتهاء من تنفيذ أنبوب النفط الممتد بين حبشان في المنطقة الغربية بإمارة أبوظبي والفجيرة بطول 370 كيلومترا، وبذلك يتم تجاوز مضيق هرمز.


 كما شملت المشاريع البدء في توسيع الطّاقة التّكريريّة، وإنجاز الكثير من المشاريع الهامة المرتبطة بتنفيذ مشروع الغاز المتكامل، والذي يُعزّز من قدرة  الإمارات على توفير كمّيّات ضخمة من الغاز لتلبية الطّلب المُتنامي على الطاقة الّنظيفة في السّوق المحلّي، واستخدامها بمحطّات توليد الطّاقة الكهربائيّة ومحطّات التّحلية، إضافة إلى استخدامات توليد الطّاقة للصّناعات الوطنيّة المُتنامية.


 وذكرت التّقارير أنّ أسعار النّفط التي سُجّلت في الأشهر الأربعة الأولى من سنة 2012م؛ بلغت 114 دولارا للبرميل، ممّا يعد برفع الإيرادات النّفطيّة. هذا، وقُدّرت عائدات النّفط في الإمارات سنة 2011م نحو 31 بالمئة من النّاتج المحلّي الإجمالي. وكغيرها من دول الخليج، تبقى عائدات الإمارات العامة رهينة التّقلّبات في أسعار الأسواق العالميّة للنفط، والتي لا تلعب المنظّمات المحلّية، بما فيها "أوبك"، دوراً مؤثراً فيه .


 وأكّدت التّقارير بأنه إلى جانب إنشاء خط الأنابيب حبشان/ الفجيرة لتصدير النّفط الخام من أبوظبي إلى العالم الخارجي دون المرور بمضيق هرمز؛ سيتمّ في الفجيرة، الواقعة على بحر العرب، إنشاء محطّة للتزوّد بالغاز الطّبيعي المسال من السّوق العالميّة، وذلك لتوفير احتياجات الإمارات المتنامية من الغاز، والتي تُقدّر بنحو 15 % سنويا[10] .


 وقالت مصادر صناعة الغاز في الإمارت بأنّ أبوظبي تُطوّر حالياً مشاريع غاز ضخمة، من أبرزها الحصن غاز بالتعاون بين أدنوك وشركة "أوكسسدنتال" الأميركية لإنتاج الغاز الطبيعي من حقل شاه بمعدل 500 مليون قدم مكعبة يوميّاً، إضافة إلى كمّيّات من سوائل الغاز[11] .

 
كما تمّ وضع خُطط للتّوسّع في استخدام الطّاقة النّظيفة، تشمل خططاً لشركة "مصدر" لإنتاج 7 % من احتياجات البلاد من الطاقة من خلال تنفيذ مشاريع عملاقة للطاقة الشّمسيّة، إضافة إلى بناء محطّات لإنتاج الطّاقة النووية .


 وتولّت شركة الاستثمارات البتروليّة الدّوليّة "ايبيك"، المملوكة لحكومة أبوظبي، تنفيذ مشروع خط الأنابيب باستثمارات بلغت حوالي ثلاثة مليارات دولار، وتقوم بتشغيله شركة بترول أبوظبي للعمليّات البترولية البرية "أدكو"، والتابعة لأدنوك .

 
وأشارت التّقارير إلى أنّ شركة الاستثمارات البترولية الدولية"ايبيك" المملوكة لحكومة أبوظبي، تعتزم بناء مصفاة بتكلفة ثلاثة مليارات دولار في الفجيرة بطاقة 200 ألف برميل يوميّاً، ومن المقرّر الانتهاء منها منتصف 2016.[12]

 
وتعكف شركة "أدنوك" حاليّاً على تطوير حقولها النّفطيّة لرفع طاقتها الإنتاجيّة بشكلٍ مُستدام من 2.8 مليون برميل إلى 3.5 ملايين برميل يوميّا بحلول 2017،  باستثمارات تتجاوز 260 مليار درهم. ويشمل التّطوير تحديث المنشآت النّفطيّة بحقولها البريّة والبحريّة، متمثلة في شركات "أدكو" و"أدما" و"زادكو" المسؤولة عن أكثر من 90 % من إنتاج النفط والغاز.


 أمّا مشروع ضغط الغاز في حبشان فتعتبره ذا أهمية إستراتيجيّة، حيث إنه سيضمن استمراريّة تدفّق إمدادات الغاز إلى قطاع الطاقة، وتشمل المرحلة الأولى منه إنشاء ثلاث محطّات متشابهة لضغط الغاز، وتحويله إلى "جاسكو" للمعالجة النهائيّة. ووصلت المرحلة الأولى إلى أعمال التّدشين، ومن المقرّر أن تدخل مرافق ضغط الغاز الخدمة قريباً. أمّا المرحلة الثّانية من المشروع فسترفع كمّيات الغاز المستدامة إلى 2.1 مليار قدم مكعبة يوميّاً عن طريق تركيب المحطة الرّابعة لضغط الغاز، وحسب تصريحات بعض المسئولين؛ من المتوقع ترسية العقد خلال الفصل الأول من عام 2013 على أن يكتمل المشروع خلال الفصل الثالث من عام 2015.


 وذكرت المصادر، أنّ هناك مشروعات لتطوير وزيادة الإنتاج من حقل "زاكم السفلي" لزيادة إنتاج النّفط 100 ألف برميل يوميّا في 2016، فيما تعمل شركة "أدما العاملة" على تطوير حقول جديدة، منها سطح "الرازبوت" الذي يتضمّن أعمال الحفر على جزيرتين صناعيتين يجرى حالياً تشييدهما. كما يجري العمل لإقامة منشآت على جزيرة زركوه لمعالجة وتخزين وشحن 100 ألف برميل يوميّا من خام سطح الرازبوت[13]


 هذا، وقدّر صندوق النّقد الدولي إجمالي عائدات الإمارات من صادرات النفط والغاز ومنتجات البترول بنحو 667 مليار دولار خلال الفترة من عام 2012 حتى عام 2017، وكانت تقديرات سابقة لأوبك أشارت إلى أن الاحتياطيات الإماراتية من النفط تبلغ 97.8 مليار دولار برميل. ولا توجد بيانات حكوميّة دقيقة يمكن الرّجوع إليها بشأن الحجم الحقيقي لعائدات النفط لعام 2012 والمبالغ المحوله منها للصناديق السّياديّة الاستثماريّة. ولكن ممّا سبق سرده، فيبدو أنّه من الآمن القول بأن اعتماديّة الاقتصاد الإماراتي على القطاع النفطي لن تتقلّص في المستقبل القريب إلى المتوسط، بل إنّها تتّجه نحو الإزدياد بشكلٍ متوسّع.


 وفي هذا الصّدد، تصدّرت الإمارات قائمة الدّول العربيّة من حيث أصول صناديقها الاستثماريّة، حيث بلغ إجمالي أصول الصناديق الاستثمارية الإماراتية 811.7 مليار دولار طبقاً لتقديرات معهد صناديق الثروة السّياديّة[14]، وتضمّ كلا من جهاز أبوظبي للاستثمار ومؤسسة الاستثمار بدبي، وشركة الاستثمارات البترولية الدولية"إيبيك"، وشركة مبادلة للتنمية، وجهاز رأس الخيمة للاستثمار. وتصدّر جهاز أبوظبي للاستثمار قائمة صناديق الثروة السّياديّة العربيّة مع نهاية العام 2011م، وهو ثالث أكبر صندوق سيادي في العالم بعد الصّندوق السّيادي للصّين والنّرويج، حيث ضمّ أصولاً بقيمة 627 مليار دولار تُشكل 12.8% من حجم الصّناديق السّياديّة العالميّة والبالغة 5.1 تريليون دولار. ويُذكر أنّ دولة الإمارات لا تُفصح رسميّاً عن حجم استثمارات صناديقها السّياديّة، ولا توجد مصادر مؤكّدة حول أحجام هذه الصّناديق السّياديّة، ممّا يجعل عمليّة تحليل وتدقيق هذه الأرقام، بأيّ نوع من الشّفافية أو الدّقة، عملية شبه مستحيلة.

 


البطالة


 بلغ مُعدّل البطالة بين المواطنين الإماراتيين 20.8٪، مقابل 3.2٪ لغير المواطنين، في وقتٍ بلغ فيه المُعدّل بين المواطنات 28.7٪ مقابل 17.5٪ بين المواطنين الذّكور، فيما يُقدّر مُعدّل البطالة العام في الدّولة (مواطنون ومقيمون) بنسبة  4.6٪.[15] وعلى الرّغم من تدنّي مستوى البطالة الإجمالي، إلاّ أنّ اقتراب مُعدّل البطالة بين المواطنين إلى الرّبع في دولة من المفترض أن يكون هناك فائضا في الأعمال؛ يُشير إلى تواجد خلل بنيوي في تركيبة سوق العمّال والسّكان. 


 وأظهر الكتاب الإحصائي السّنوي لعام 2011م، والصّادر عن المركز الوطني للإحصاء، أنّ مُعدّل المشتغلين خلال عام 2011 بلغ 62.9٪ على مستوى الدّولة، فيما ارتفع بين الذكور إلى 77.8٪، وانخفض بين الإناث ليبلغ 28.4٪، وتدنى مُعدّل المشتغلين بين المواطنين ليبلغ 25.5٪، لكن مع ذلك، فإنّ مُعدّل المشتغلين بين المواطنين الذكور مقابل المواطنات بقي مرتفعاً، إذ يبلغ 36.7٪ بالنسبة للمواطنين الذكور، مقابل 13.9٪ بالنسبة للمواطنات الإناث.


 وارتفع مُعدّل المشتغلين من غير المواطنين ليصل إلى 70.6٪، ووصل المُعدّل عند الذكور من غير المواطنين إلى 83.7٪، فيما وصل بين الإناث غير المواطنات إلى 34.1٪.


 وممّا يثير خبراء قضايا البطالة في الإمارات؛ أنّ سوق العمل الحكومي أو الخاص يشهدُ فرصاً وفيرة يمكن أن تستوعب بطالة المواطنين، لكن ما يعوق ذلك وفق الخبراء الاقتصاديين؛ عدّة أسباب، أولها العمالة المواطنة التي لا تُقبل على كلّ أنواع الوظائف، بل تُركّز على العمل في الجهات الحكوميّة، أو الأعمال الإداريّة، بالإضافة الى أنّ القطاع الخاص لا يُقدّم المزايا والحوافز الماليّة التي يُقدّمها القطاع الحكومي، حاله كحال الوضع في باقي دول مجلس التعاون.


 وفي هذا المجال، فقد عمدت الهيئات المتخصّصة الحكوميّة إلى عقد وتنظيم العديد من معارض التّوظيف التي تهدف بالدّرجة الأولى إلى خفض معدّلات البطالة بين المواطنين، ورفع نسبة التوطين في القطاع الخاص، إلى جانب برامج وزارة العمل التي تهدف إلى استقطاب المواطنين عبر برنامج المنشآت الصّغيرة والمتوسطة، وبرنامج الحماية من التعطّل، وبرنامج تطوير الخدمات المُقدّمة للمتعاملين، وبرنامج تطوير التفتيش، وبرنامج تطوير عمل وكالات التوظيف الخاصة، وبرنامج المرصد الخليجي لمعلومات سوق العمل، وبرنامج إدارة دورة العمل التعاقدي. لكن يرى الكثير بأنّ هذه البرامج والمعارض تبقى نفقات لا تتبعها خطط وبرامج عمليّة حيويّة جاذبة، ولا تتطرّق إلى جوهر الخلل في سوق العمل. وتشير البيانات الصادره في عام 2012 أن نسبة التوطين في القطاع الحكومي الاتحادي لا يتعدّى 53٪ ، والجدير بالذكر أن نسبة التوطين في القطاع الخاص لا يتعدّى في أعلى معدّلاتها نسبة1.5%.

 

الميزانية العامة للدّولة
 

الإيرادات العامة ومصادرها


 تتكوّن الإيرادات العامة الاتّحادية من عدّة مصادر، أهمّها المساهمات العامة التي تقدّمها الحكومات المحلية "أبوظبي ودبي"، ورسوم الخدمات التي تُقدّمها الجهات الاتّحادية، وعوائد أرباح استثمارات الحكومة الاتّحادية. وتسعى الحكومة الاتّحادية لتنمية تلك الموارد عبر العديد من الخطوات، ولنا هنا أن نسردها بإسهاب: تحديث هيكل رسوم الخدمات في الحكومة الاتحادية، وتطوير نظام تحصيل الإيرادات الإلكترونية أو ما يسمى الدرهم الإلكتروني، ودراسة تطوير رسوم حقّ الامتياز الاتّحادي التي تحصل من الشركات المحتكرة للخدمات مثل شركتي الاتصالات و"دو"، واستحداث أسس ومعايير فرض أو تعديل الرسوم أو الإعفاء في الحكومة الاتّحادية، وإصدار التّشريعات المتعلّقة بالإيرادات العامة للدّولة والضّرائب الانتقائية، وتطوير ضرائب اتّحادية انتقائيّة تحصل على بعض المنتجات الضارة بالصّحة العامة، ووضع ضوابط جديدة في شأن مساهمة الحكومة الاتّحاديّة التي لا تحصل من رسوم وعوائد مشتركة مع الحكومات المحلية. والجدير بالذكر أن الامارات مازالت في مرحلة دراسة وتردّد في تطبيق الضّرائب المباشرة أو غير المباشرة في الدّولة، وتوجّهات الحكومة الإتحادية تشير إلى عدم رغبتها في فرض ضرائب في الوقت الراهن، مع العلم أن ما يتمّ فرضه من رسوم عالية على الخدمات في القطاعات المختلفة مقارنة مع دول مجلس التعاون يُعدّ شكلاً من أشكال الضريبة، وإنْ كان يتمّ إقراره بصيغة رسوم. واقتصاديّاً، يعتبر  استخدام مبدأ الضريبة أكثر شفافية وإنصافاً مما هو عليه نظام الرّسوم، وإنّ التحول التدريجي من مبدأ فرض الرسوم إلى مبدأ الضريبة يُعدّ شكلاً من أشكل الإصلاح الاقتصادي، وهو يفيد، لا يضر. ولكن كما هو الحال في باقي دول الخليج؛ تبقى ضريبة الدّخل عقدة ذهنيّة تتردّد كلّ دول الخليج في تطبيقها.


 ويبلغ إجمالي الإيرادات النّقديّة للحكومة الاتّحادية، وفقا لميزانية 2012م، نحو 4 .41 مليار درهم[16]، وهي موزّعة وفقا لمصادرها على النحو التالي: أولا:رسوم الخدمات التي تقدّمها الوزارات، ثانياً: العوائد المتنوّعة، وهي عبارة عن أرباح الاستثمارات وعوائد المصرف المركزي ورسوم حقّ الامتياز الاتّحادي وإيرادات أخرى، وثالثاً مساهمات الحكومة المحلية "أبوظبي ودبي". مع العلم أنّ إيرادات الحكومة الاتّحاديّة لا ترتبط مباشرة بأسعار النّفط العالمي، ذلك أن الحكومة الاتّحادية تتلقى دعماً مُحدّداً من بعض الحكومات المحليّة، وليس من نطاق صلاحياتها متابعة تذبذب أسعار النفط الخام، وهو دور مقصور على  الحكومات المحليّة.

 

أوجه نفقات الميزانية الاتحادية  2012
 

 قُدّرت مصروفات الميزانيّة العامة للاتّحاد عن السّنة المالية 2012 بمبلغ 41.8 مليار درهم مقابل 41  مليار درهم لعام 2011، وقُدّرت إيرادات الميزانيّة العامة للإتحاد عن السّنة الماليّة 2012 بمبلغ 41.4 مليارا درهم . مقابل 40.6 مليار درهم لعام 2011، وقُدّرالعجز لعام 2012 بمبلغ 400 مليون درهم مقابل عجز مماثل  لعام 2012م. 


ووفقاً لقانون الميزانيّة، فإنّ إجمالي مصروفات الشّؤون الحكوميّة تبلغ 17.5 مليار درهم منها 6.1 ملياردرهم لوزارة الدفاع. و6.8 مليار درهم لوزارة الداخلية.


وتبلغ مصروفات البنيّة التّحتيّة والموارد الاقتصاديّة 1.6 مليار درهم، منها168.3  مليون درهم لمصروفات وزارة الاقتصاد و724.6 مليون درهم  لوزارة الأشغال العامة و287.1 مليون درهم لوزارة البيئة والمياه.


وتبلغ اجمالي مصروفات التنمية الاجتماعية 15.7 مليار درهم  منها 4.7 مليار درهم لوزارة التربية والتعليم، و 1.3 مليار درهم لجامعة الامارات. و3.0 مليار درهم  وزارة الصحة. و459.4 مليون درهم وزارة العمل. و2.6 مليار وزارة الشؤون الاجتماعية. و 410.3 مليون درهم الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف.


وتبلغ إجمالي الأصول الماليّة والاستثمارات الماليّة 2.0 مليار درهم. وفيما يتعلّق بإيرادات الميزانيّة فقد بلغت مساهمة إمارة أبوظبي 14.3 مليار درهم. ومساهمة إمارة دبي 1.5 مليار درهم. وبلغت إيرادات الوزارات 25.3 مليار درهم.


 وعليه، فلقد استحوذ قطاع الخدمات الاجتماعيّة على 47٪ من إجمالي الميزانيّة الاتّحادية للعام 2012 بمبلغ قدره 19.7 مليار درهم، ويضمّ هذا القطاع التّعليم العام والتعليم العالي والصحة والعمل والشؤون الاجتماعية والشؤون الإسلامية والثقافة والشباب وتنمية المجتمع، وبرنامج الشيخ زايد للإسكان، إضافة إلى المنافع الاجتماعيّة الأخرى.


واستحوذ قطاع التّعليم على 20% من إجمالي الميزانيّة بمبلغ 8.2 مليار درهم. فيما استحوذ قطاع الشّؤون الحكوميّة الذي يضمّ الدّفاع والدّاخليّة والعدالة والشّؤون الخارجيّة وإدارات اتّحادية أخرى على 42٪ من إجمالي الميزانيّة الاتّحاديّة بمبلغ 17 ملياراً و500 مليون درهم.


واستحوذت نفقات البنية التّحتيّة على 4% من اجمالي الميزانيّة بمبلغ قدره 1.6 مليار درهم. لاستكمال مشروعات مباني الوزارات والطّرق والصّيانة.


كما استحوذ قطاع الكهرباء والماء على 12% من إجمالي الميزانيّة بمبلغ قدره 5 مليارات درهم. لاستكمال توسّعات الشّبكة الكهربائيّة ومواكبة زيادة الطّلب المستمر على خـدمات الماء والكـهرباء في بعض الإمارات.


والجدير بالذكر هو أن الميزانيّة الاتّحاديّة لا تتضمّن إيرادات النفط، ولا أرباح الشّركات الخاصة التابعة للحكومة الاتّحاديّة والحكومات المحليّة، ولا الصناديق السّياديّة التّابعة للحكومات المحليّة، ولا يشمل الإنفاق الأموال التي تستخدم في دعم الميزانيّات العموميّة للهيئات الحكوميّة ذات الصّلة التي تُحقّق خسائر، ولا تشمل هذه الأرقام أيضاً الإيرادات الكبيرة التي تحققها الأسهم الإماراتيّة من الأصول الأجنبيّة المملوكة للقطاع العام.


كما وأنّ نفقات الخدمات في ميزانية الحكومة الاتّحادية مثل الشّئون الاجتماعيّة والتعليم والصحة والجامعات والشرطة والدفاع ليست دقيقة.، فهي لا تشمل نفقات أخرى ضخمة تنفقها الحكومات المحليّة،  وتتجاوز أحياناً  نفقات الحكومة الاتّحادية. كما لا تشمل الميزانيّة الاتحاديّة إيرادات النّفط الخام، ويعدّ من الأسرار غير المصرح بها للتداول أو النشر للجمهور أو حتى لدى المجالس التّشريعيّة.


وبقراءةٍ سريعة لمشروع الميزانية العامة للاتحاد 2012، يتّضح أن الحكومة نجحت من جانبٍ في تحقيق التوازن بين استمرار الإنفاق التّنموي بمعدّلاتٍ مرتفعة، ومن جانبٍ آخر استمرّت في السّيطرة على العجز إلى أقصى حدّ ممكن عند مستويّات مقاربة لمشروع ميزانيّة عام 2011 بواقع نحو 400 مليون درهم. وهو يمثّل أقل من 1% من إجمالي النّفقات التقديريّة بمشروع الميزانيّة الاتّحادية لعام2012.  


لا يمكن تقدير إجمالي نفقات الإمارات بمعزل عن نقفاتٍ ضخمة تفوقُ الميزانيّة الاتّحادية عبر الحكومات المحليّة، وخاصة أبوظبي ودبي والشارقة، ومثال ذلك قُدّرت ميزانيّة حكومة دبي وحدها لعام 2012 بمبلغ 32.3 مليار درهم[17]. والجدير بالذكر، تسعى الحكومة الاتّحاديّة للتّنسيق مع الحكومات المحلية للعمل على نشر بيانات الميزانيّة المجمعة للجمهور، مما تعكس الصّورة الحقيقيّة لحجم الإنفاق في دولة الإمارات، ولكن المشروع يواجه بعض الصعوبات من الحكومات المحلية. هذا وقدّر صندوق النقد الدولي الميزانية المجمعة للإمارات لعام 2011 بمبلغ 401.5 مليار درهم، وإيرادات قدرها 440.1 مليار درهم، بفائض قدره 38.6 مليار درهم.  وتجدر الإشارة إلى أن البيانات الماليّة الرّسميّة في الإمارات؛ تُقلّل من القوّة الحقيقيّة للتّمويلات العامة، حيث أن جزءاً من عائدات النفط في أبوظبي لا يتمّ إدراجها كإيرادات حالية، وإنما يتمّ تحويله مباشرة إلى صناديق الثروة السّياديّة.


 كما أشرنا، فإنّ الإمارات ثالث أكبر بلد مُصدّر للنّفط في العالم، حقّقت فائضاً ماليّاً بالميزانية المجمعة قدره 38.6 مليار درهم[18]، وبنسبة 2.9% من الناتج المحلي الإجمالي في 2011، حيث دفع الإيراد المرتفع للنفط الخام إلى زيادة الإنفاق الحكومي، حسب ما أظهره مؤخّراً تقرير صندوق النقد الدّولي وبيانات الحكومة[19].  ورغم ذلك، فإنّ الفائض المجمّع لعام 2011 كان جزءا بسيطاً من الفوائض التي حقّقت قبل الأزمة المالية الأخيرة، والذي بلغ متوسطه 167 مليار درهم سنويّاً في الفترة من 2006 وحتى عام 2008وفق بيانات صندوق النقد الدولي.


 وأظهرت بيانات صندوق النقد الدولي أن الإنفاق الحكومي المجمّع في الإمارات ثاني أكبر اقتصاد عربي ارتفع بما يزيد عن 19%  ليصل إلى أعلى مستوى على الإطلاق عند 401.5 مليار درهم في 2011،  ويزياده قدرها 56% عن مستوى الإنفاق لعام 2008. وارتفعت الإيرادات المجمّعة 41 في المائة إلى 440.1 مليار درهم، مسجلة أعلى مستوى في 3 سنوات، حيث شكّل دخل النفط والغاز ما يزيد عن 82 في المائة منها، حسب تقرير الصندوق الذي نشره بعد التّشاور مع الحكومة. ونتيجة لذلك، ارتفع حجم الإنفاق العام وبلغ نصيب الفرد من الدخل القومي 48200 دولار، ويعتبر من أعلى المعدّلات في العالم. وتوقع محلّلون في استطلاعات لرويترز في مارس 2012 أن تتمكّن الإمارات من تحقيق فائض مُجمّع في الميزانية بنسبة 5.9 % من الناتج المحلي الإجمالي في 2012[20].


 وانتظاراً لإعتماد قانون الدين العام في الإمارات، تعكفُ الحكومة على وضع التّصوّر العام لآليّة إدارة مكتب الدّين العام المرتقب، وبحسب مصادر وزارة الماليّة؛ فإنّ حجم الدين العام المترتب على الحكومة الاتحادية ضئيل في الوقت الرّاهن، ولا يُشكّل أزمة ماليّة، بالمقارنة مع النّاتج المحلي الإجمالي للدّولة، ولم يتم ذلك عبر وزارة الماليّة مباشرة، ولكن عبر بعض المؤسّسات الخاصة المساهمة فيها للحكومة الإتحادية. وتجدر الإشارة إلى أنّ الالتزامات المترتّبة على الحكومات المحليّة لا تندرج ضمن الدّين العام المحسوب على الحكومة الاتّحاديّة، فلكلّ إمارةٍ سياستها واستقلاليّتها في هذا الشّأن.


 هذا والجدير بالذكر أنّ صندوق النقد الدولي قدّر إجمالي الدّين الخارجي على الإمارات 47.2 مليار دولار في 2010، و41.0 مليار دولار في 2011، ويتوقع بلوغه 39.0 ملياراً في 2012، و39.5 ملياراً في 2013. ولكن يُقدّر بعض الخبراء الاقتصاديين حجم الديون بما هو أكبر من ذلك بكثير، حيث يتمّ تقدير ديون حكومة دبي أو الشّركات المرتبطة بها بأكثر من 100 مليار دولار، فضلاً على أنّ حكومة دبي صرّحت أن ديونها بلغت 80 مليار دولار. ولا تتوفّر إحصاءات دقيقة محليّة مستقلّة يمكن الرّجوع إليها في هذا السّياق. ومن هذا المنطلق، فتبقى مسألة الدّيون المترتبة، خاصة على الشركات شبه الحكومية في دبي، مصدر قلق، نظراً للتكهّنات حول حجمها الهائل، وغياب الشّفافية حولها..   

 

حجم التّحويلات للخارج وتوجّهاتها
 

 وصل حجم تحويلات الوافدين خارج الدّولة بنهاية 2012 إلى 12.9 مليار دولار، مقابل 11.2 مليار دولار في نهايةإلى 12.9 مليار دولار، مقابل 11.2 مليار دولار في نهايةإلى 12.9 مليار دولار، مقابل 11.2 مليار دولار في نهايةإلى 12.9 مليار دولار، مقابل 11.2 مليار دولار في نهاية 2011 بنمو نسبته 15 %. في حين وصل إجمالي حجم التّحويلات خارج دول مجلس التعاون الخليجي في العام الماضي إلى 83.0 مليار دولار بنمو نسبته 12.6% بالمقارنة مع 74.0 مليار دولار في العام 2011، وذلك بحسب بيانات حديثة صادرة عن المصرف المركزي. وهو ما يشير إلى أنّ نسبة نمو التّحويلات خارج الإمارات فاقت نسبة نمو التّحويلات خارج دول مجلس التعاون[21]. وتشير التقارير إلى أنّ الهند تحتلّ المرتبة الأولى في حجم التّحويلات الواردة من دول مجلس التعاون، بحجم تحويلات وصل إلى 30 مليار دولار في العام 2012، بنمو نسبته 15 %، وأرجع السّبب الرّئيسي في ذلك إلى فقدان الروبية الهندية 18 % من قيمتها العام الماضي.

 

 تداعيات الانتفاضات العربيّة على اقتصاد الامارات
 

 يعتقد بعضُ الخبراء الاقتصاديين بأنّ الإمارات استفادت اقتصاديا من الانتفاضات العربية، بعد أن توجّهت العديد من الشركات المقيمة في دول الرّبيع العربي للبحث عن ملاذ آمن لاستثماراتها، وكانت الإمارات على رأس هذه الوجهات التي استفادت من تقاطر تلك الشركات على أراضيها. ويرى هؤلاء الخبراء أن الانتفاضات العربية كان لها تأثير إيجابي على اقتصاد الإمارات، ممّا أدى إلى انتعاش ملحوظ في عدّة قطاعات، كان منها القطاع المصرفي، عبر تنامي الودائع، نتيجة لارتفاع التّحويلات، والقطاع العقاري الذي شهد تحسّناً عقب الثورات العربية[22].


 وتواترت الأخبار حول تحويل عدد من رجال أعمال ينتمون لدول الثورات العربيّة استثماراتهم إلى الإمارات، والتي تُقدّر بمليارات من الدولارات، باعتبارها مناخاً أكثر أمنا وجذبا للاستثمار، وما تتمتع به من استقرار سياسي وأمني وتوجّهات سياسة الإمارات غير المؤيّدة للانتفاضات العربيّة، مع العلم أن المصرف المركزي الإماراتي نفى استقبال أية تدفقات نقديّة من تلك الدّول. 


 ويرى المحلّلون أنه على الرّغم من صعوبة تتبّع هذه الأموال في ظلّ النّفي الرّسمي، إلا أن بصماتها واضحة، سواء في حركة النّشاط التّجاري والسّياحي، أم الإقبال على شراء العقارات وارتفاعها في بعض الإمارات. بالرغم من إحجام أو تحفّظ المصارف المحليّة مؤخراً في عمليات التّمويل والإقراض العقاري.


 وذكرت صحيفة "البيان" الإماراتية بتاريخ 1 إبريل 2012م، وفي إشارة إلى تقرير المجلس العالمي للسّياحة والسّفر الذي توقّع أن يصل إجمالي الاستثمارات السّياحيّة في دولة الإمارات بنهاية عام 2012  إلى 85.4 مليار درهم، مقابل 76.5 مليار درهم بنهاية عام  2011، بزيادة تصل إلى حوالي 9 مليارات درهم عن العام الماضي[23].


هذا وقد بلغ إجمالي تصرّفات الوحدات السّكنية في دبي، خلال الربع الأول من عام 2012م، 3805 إجراء، وبلغت قيمتها 4.57 مليار درهم، محققة نمواً بنسبة 7.5% مقارنة بالربع الأول من 2011، وفقاً لدائرة أراضي دبي.


وتشير الإحصاءات أن دبي شهدت نموّاً إجماليّاً في إجراءات عمليّات البيع للوحدات السّكنيّة خلال الرّبع الأول من العام 2012 لنحو 3261 اجراء بنمو نسبته 50%   مقارنة بـ2167 إجراء للفترة نفسها من عام 2011، فيما بلغت قيمة البيع للوحدات السّكنيّة نحو 3.82 مليارات درهم بنمو نسبته 39.7% مقارنة بـ2.76 مليار درهم للربع الأول من 2011م[24] .


وشهدت قروض بنك الإمارات دبي الوطني في نهاية الرّبع الأول من 2012 استقراراً كبيراً مقارنة بمستويات نهاية عام 2011م، حيث بلغت 204.1 مليار درهم. ووصلت ودائع العملاء إلى 208.5 مليارات درهم، بزيادة قدرها 8% عن حجم ودائع العملاء نهاية 2011[25].


 وأظهرت بيانات أكبر البنوك الوطنيّة ملاءة بنك أبوظبي الوطني أرباحا صافية بلغت 1.04 مليار درهم خلال الربع الأول من عام 2012 ،مقابل 927 مليون درهم للربع الأول من عام 2011 بنمو بلغ 12%  مقارنة بالربع الأول من العام الماضي، وبنمو بلغ 44% مقارنة بالربع الأخير من 2011. وكشف بنك أبوظبي التجاري أن صافي الأرباح بلغ 802 مليون درهم بزيادة قدرها 38% عن الربع الأول من عام 2011[26] .

 

التطورات في التشريعات
 

 عقب الأزمة الماليّة العالميّة العاصفة، عكفت الإمارات على مراجعة عدّة مشروعات ماليّة واقتصاديّة، والعمل على ضبط السّوق المحلي واتّخاذ خطوات عمليّة سريعة لإنعاش الاقتصاد المحلي. بدأت الدّولة بضخّ سيولة نقديّة للمصارف، وخطوات عديدة أخرى لدعم الشّركات الحكوميّة المتعثّرة، وانضافت إليها حزمة أخرى من المشروعات والقوانين، وليس من مانع أن نسردها بشكل سريع هنا على سبيل المثال لا الحصر:


 فقد تمّت دراسة قانون المعلومات الائتمانية، والذي يهدف إلى الحدّ من المخاطر الائتمانيّة التي تواجهها المصارف والمؤسسات الماليّة والخدميّة العاملة في دولة الإمارات. وقانون المنافسة الذي صدر في عام 2012 الذي تهدف الحكومة من خلاله إلى حماية وتعزيز المنافسة، علاوة على مكافحة الممارسات الاحتكاريّة، وقانون الإفلاس الذي يضمن للشّركات المتعثرة أوضاعا إجرائيّة تمكّنها من إعادة الانطلاق بحماية القانون الذي يمنحها مهلة مناسبة لتوفيق أوضاعها بعيداً عن الملاحقات القضائيّة، ومشروع قانون الدين العام يسعى المُشرّع من خلاله إلى التنسيق مع الحكومات المحليّة وحصر وضبط سوق الدين العام الدّاخلي والخارجي، وتحديد إطاره وشروطه، ومشروع قانون الاستثمار الأجنبي الذي أضحى في مراحله الأخيرة، وبموجبه ستسمح الإمارات للمستثمر الأجنبي بالتملّك الكامل وفق أسسٍ وشروط محدّدة، ومشروع قانون الضرائب والذي تمّ اخضاعه لكمّ هائل من الدّراسات والخبرات، وأصبحت الصورة واضحة بشأنه، لكن يبقى الشّق السّياسي الذي لم يعتمد تاريخ إقراره بعد، ومشروع قانون التنمية الصناعيّة الجديدة، ومشروع قانون المشاريع الصغيرة والمتوسطة الذي يهدف إلى تنظيم وتطوير قطاع ريادة الأعمال في الدّولة ودعم المشاريع والمنشآت الصغيرة والمتوسطة للمواطنين، وتعزيز دورهم في دخول القطاع الخاص، ومشروع قانون الشركات الجديد، والذي يضمن عدم تحديد حدّ أدنى لرأسمال الشركة ذات المسؤوليّة المحدودة، وتخويل مجلس الوزراء بأن يصدر قراراً بزيادة حصة الشريك الأجنبي على 49% من رأسمال الشركة في بعض الأنشطة التجارية. 


 وتشير هذه الاجراءات أنّ الدّولة، عموماً، ماضية في طريق الانفتاح على الاستثمار الأجنبي والقطاع الخاص، وأن النظرة بدأت تسود بأن الأزمة الماليّة التي عصف في 2009 و2010 أضحت سرابا مؤقتا ما لبث وأن اختفى، وما انفكت أن عادت الإمارات إلى النمو وتصدُّر عناوين الأخبار الاقتصاديّة. وقد تكون هذه أوّل أجراس الخطر، حيث لم تدر مناقشة جدّية، واعترافات رسميّة حول أسباب واخفاقات الأزمة الماليّة في الإمارات، على الرغم ن من كبر حجمها وتداعياتها. ولكن الديون العالية على الشركات شبه الحكوميّة (بالذات في دبي)، خاصة وأن الكثير من هذه الديون تملكها أطراف خارجيّة، ولا يُعرف مداها الحقيقي، بالإضافة إلى الأسعار العالية نسبيّاً المطلوبة لبرميل النفط لمعادلة الميزانية (84 دولار امريكي للبرميل وفق إحصائيات صندوق النقد الدولي)، كلّ ذلك يبقى شبحاً دائماً يُذكّر بأنّ النّمو المُطّرد في الإمارات بُنيَ أساساً على استهلاك ثروة ناضبة، وصرف إيراداتها على مشاريع لا زالت هيئة المحلّفين معلقة حول قيمتها التنمويّة، خاصة فيما يتعلّق بقضية الخلل السكاني المتفاقم الذي يترتب من الكثير من هذه المشاريع العقارية والخدماتية، والذي سنناقشه بإسهاب في الجزء المتعلق بالخلل السكاني.

 

لقراءة الجزء التالي من الاصدار                                                                  

لقراءة النسخة الكاملة من الاصدار (pdf) 

لتصفح محتويات الاصدار الكتروني

 


[3]  تشير الاحصائيات الرسمية من المركز الوطني للاحصاء الى ان عدد مواطني دبي بلغ 168 الف مواطن في منتصف عام 2010:

http://www.uaestatistics.gov.ae/ReportPDF/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%82%D8%AF%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%83%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9%202006%20-%202010.pdf

[5] International Monetary Fund, World Economic Outlook Database, October 2012

[10]article/businessNews/idARACAE9B2M4R20130224

[11]economy/first/2011-04-01-1.1412653