مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

3.4

طباعة PDF


 تعرّض الاقتصاد البحريني إلى عدّة هزّات في الثلاثة الأعوام الأخيرة، بدءاً بالأزمة الاقتصاديّة العالميّة التي عصفت بالقطاع المالي، وانتهاء بالأزمة السّياسيّة التي تعيشها المملكة الصغيرة منذ اندلاع الحركة الاحتجاجية في فبراير 2011. وعلى الرغم من أنّ معدّل النّمو الاقتصادي في المملكة قد شهد تراجعاً ملحوظاً، إلا أنه إجمالاً لم يتعرّض الاقتصاد لأية انهيارات كارثيّة بعد، حيث إنّ ارتفاع أسعار النّفط العالميّة قد حدّ من مضاعفات الأزمة الماليّة وتداعياتها على عائدات الدّولة. ولكن النّمو المُطّرد في الإنفاق والدّين العام، في مقابل الاعتماديّة شبه المطلقة على إيرادات النّفط؛ تُنذر بتضاعف المخاطر الاقتصادية والمالية في الأعوام المقبلة. وفيما يلي سنستعرض أهم المؤشرات الاقتصاديّة للمملكة.

 

الناتج المحلي الحقيقي
 

 يُقسّم إجمالي النّاتج المحلي للمملكة، كما بقية دول الخليج، إلى الناتج المحلّي العائد الى الهيدروكربونات (أي النفط والغاز وما يتصل بهما) والنّاتج المحلي العائد لغير الهيدروكربونات، حيث يُشكّل الأخير نسبة تقارب 70٪ من إجمالي الناتج المحلي الجاري حسب الأرقام المسجلة للعام 2011. وتشكل القطاعات غير المصرفية (الصناعة، النقل والإتصالات، التجارة، العقارات) أكبر نسبة من عائدات الناتج المحلي لغير الهيدروكربونات (ما يقارب 75٪)، بينما  يشكل القطاع المصرفي 19٪  من عائدات الناتج المحلي لغير الهيدروكربونات.

النمو الاقتصادي في العامين 2011 و 2012


 كان للأزمة السّياسيّة الأثر الأكبر في العام 2011 على النّمو الاقتصادي، حيث شهدت المملكة تعطلاً حذراً في الحياة الاقتصادية، إلاّ أن العام 2012 شهد تعافياً نسبيّاً، حيث أبدى الاقتصاد البحريني شيئاً من التحسّن، حسب التقرير السنوي الأخير لمجلس التنمية الاقتصادي في المملكة، والذي توقّع في تقريره الأخير أن يُسجل الاقتصاد نمواً بنسبة 3.9٪ في العام 2012 نظراً لنمو القطاعات الماليّة والصّناعيّة وغيرها من القطاعات غير النفطية، والتي بدورها سجلت ارتفاعاً بنسبة 7.2٪ خلال التسعة الأشهر الأولى من العام 2012. بيد أن قطاع النفط والغاز شهد تراجعاً بنسبة 5.9٪ في الفترة ذاتها، نتيجة خلل تقني في إنتاج النفط من مصفاة ابو سعفة، والتي تساهم في ما يعادل 80٪ من إجمالي إيرادات النّفط للبحرين. وقد قلّل التقرير من الآثار الناجمة عن حركة الاحتجاجات في المملكة، متوقعاً أن تتواصل وتيرة النّمو، وأن يُحقق العام 2013 نمواً بنسبة 6%. وجاء هذا التوقّع مغايراً لتصريحات رئيس البنك المركزي البحريني، والذي كان متحفظاً في توقعاته في نسبة نمو الاقتصاد، والتي تعادل 4% في العام 2013 مقارنة بنسبة النمو المتوقعة 3.9% للعام 2012.


 والجدير بالذكر هو أن الاقتصاد البحريني سجّل مُعدل الناتج المحلي القومي بالأسعار الثابتة 5.2 بليون دينار بحريني، أي نمواً نسبته 2.2٪ في العام 2011 مقارنة بنسبة نمو 4.5٪ في 2010 حسب بيانات البنك المركزي للمملكة للعام [1]2011 وبيانات البنك المركزي للربع الأول من العام 2012 . وقد شهدت قطاعات السّياحة والصّناعة، بالإضافة إلى القطاع المصرفي، تراجعاً  كبيراً أدّى إلى هذا التدنّي في النّاتج المحلي القومي الحقيقي، وذلك إثر الحالة السّياسيّة والأمنيّة التي شهدتها المملكة، ممّا أسفر عن سحب عددٍ كبير من الاستثمارات خارج المملكة. كما وتراجع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 1.6٪ في العام 2011، مما يدلّ على تراجع العمليّة التّجاريّة. وقد بلغت نسبة نمو الناتج المحلي لقطاع الهيدروكربونات نتيجة ارتفاع أسعار النفط  4.7 ٪ على عكس التراجع الذي شهده الناتج المحلي لغير الهيدروكربونات، والذي تراجع من 4.8٪ في العام 2010 الى 2٪ الى 2011 نظراً لتـأثر القطاع السّياحي والمالي بشكلٍ كبير، إثر الأزمة الاقتصاديّة والسّياسيّة التي عصفت بالمملكة (حسب بيانات البنك المركزي للعام  2011).

 

جدول 3.6: الناتج المحلي القومي حسب الأسعار الثابتة في 2008-2011

  

    المصدر: تقرير البنك المركزيالمؤشرات الإقتصادية العدد 35 (اصدار مارس 2012)

 

 أمّا بالنسبة لإسهام القطاعات المختلفة في نمو الناتج المحلي الحقيقي؛ فلقد شهدت معظم القطاعات تراجعاً ملحوظاً، خصوصاً في قطاعات الصّناعة، التجارة، الاستثمارات العقارية والتجارية، والبنوك والشركات المالية والسّياحة. فقد تراجعت نسبة مساهمة القطاع الصناعي إلى 30٪ في العام 2011 مقارنة بنسبة تعادل 39٪ في العام 2010، كما وازدادت نسبة مساهمة القطاع المالي والمصرفي الى 29٪ بعد أن بلغت نسبة مساهمتها في إجمالي نمو الناتج المحلي الحقيقي 23٪ في العام السابق (2010) حسب البيانات الرسمية من البنك المركزي المحلي. أمّا بالنسبة لقطاع الهيدروكربونات (النفط والغاز ومشتقاتها) فقد أسهمت في نموّ النّاتج المحلّي الحقيقي بنسبة  18٪في عام 2011 مقارنة 5٪  في العام 2010. ويأتي هذا الازدياد في نسبة مساهمة هذا القطاع نتيجة ازدياد نسبي في إنتاجيّة قطاع النفط والغاز، والارتفاع الذي شهدته أسعار النفط في في عام، حيث بلغت 111 دولار للبرميل الواحد مقارنة بسعر البرميل، حسب أسعار برنت والذي بلغ ما يقارب 80 دولار في العام 2010.
 

 

جدول 3.7: مساهمة القطاعات في الناتج المحلي القومي

 


 وعلى الرغم من أنّ البنك المركزي والجهات الرّسميّة لم تنشر البيانات المُفصّلة لعام 2012 بعد، إلاّ أن مجلس التّنمية الاقتصادي، وفي تقريره الأخير لشهر فبراير من العام الحالي، أشار إلى أنّ النّمو الاقتصادي في البحرين شهد تطوراً ملحوظاً في التّسعة الأشهر الأولى من العام 2012م، حيث بلغت نسبة نمو معدل إجمالي الناتج المحلي القومي حسب الأسعار الثابتة 4.4% خلال التسعة الأشهر الأولى من العام 2012، بالرغم من أنّ نسبة النمو تراجعت من 5.9% في الربع الأول من العام 2012 الى 4.3% في الربع الثاني و3.1% في الربع الثالث من العام 2012. وقد كانت للقطاعات الصناعية والاستهلاكيّة والماليّة (القطاعات الأخرى عدا قطاع النفط والغاز) المُحرّك الأساس للاقتصاد في العام 2012 على عكس العام 2011، حيث كان قطاع النفط والغاز المحرك الأساس لنمو الناتج المحلي القومي بعد أن تأثرت القطاعات الأخرى بشكل كبير نتيجة تدهور الأوضاع السّياسيّة والأمنيّة. وقد تراجع النّاتج المحلّي لقطاع النفط والغاز إثر خلل تقني في مصفاة ابو سعفة، والتي تشكل حقل النفط الأساس للمملكة. وشهد هذا القطاع تراجعاً بنسبة 5.9% في العام 2012 مقارنة بنسبة نمو بلغت 3.4% في العام 2011. أما القطاعات الأخرى، فبلغت نسبة نموّها 7.2% في الأشهر التّسعة الأولى من العام 2012 مقارنة بنسبة نمو بلغت 2.1% في العام 2011.

  وبحسب مجلس التنمية الاقتصادي، فقد جاء هذا التحسّن في الاقتصاد على إثر تحسّن أداء القطاع السّياحي، وازدياد الإقبال على الفنادق والسّياحة بشكل عام. كما وكان لدورة خليجي 21 في البحرين دوراً كبيراً في إقبال عدد غير مسبوق من الزائرين من الخليج في فترةٍ قصيرة. كما وكان لعودة سباق الجائزة الكبرى للفورمولا 1، ومؤتمر حوار المنامة الثامن دوراً في تحسّن القطاع السّياحي. كما وشهدت القطاعات الصناعيّة وقطاع التجزئة والعمران نشاطاً إيجابياً أسهم في نمو النّاتج المحلي الإجمالي. كما وكان للقطاع المالي دوراً هاما في دعم نمو القطاعات الأخرى، نظراً لزيادة القروض الماليّة (لقطاع التجزئة) من جهة تمويل المشاريع التجارية والشركات التجارية الصغيرة والمتوسطة من جهة أخرى.

 

تداعيات الأزمة السّياسيّة على الاقتصاد المحلي


 ذكر تقرير الجنة المشتركة[2] المُعدّ من قبل مجلسي النّواب والشورى، وغرفة تجارة وصناعة البحرين في يناير 2012 أنّ خسائر الاقتصاد البحريني الفوريّة للنّاتج المحلّي الإجمالي البحريني جرّاء الأحداث السّياسيّة وفقاً لدراسة أجرتها غرفة تجارة وصناعة البحرين بلغت أكثر من 200 مليون دولار (ما يعادل 4% من إجمالي الناتج المحلي حسب الأسعار الثابتة) نظراً لانخفاض الإنتاج خلال أشد أيام الاحتجاجات في فبرايرمارس 2011-2012. وجاء في التقرير أيضاً أنه قُدّرت خسائرالقطاع السياحي مايعادل 600 مليون دولار في العام 2011م[3]، ويُعدّ ذلك تراجعاً في إيرادات القطاع السياحي بنسبة 80٪. ومن أهم العوامل التي أدّت إلى الخسائر التي تكبّدها القطاع السياحي؛ إلغاء سباق جائزة البحرين الكبرى للفورمولا 1، حيث قدّر مجلس التنمية الاقتصادية الآثار الإيجابية بنحو 150- 200 مليون دولار، والذي يجتذب 40 ألف زائر سنويّاً. هذا بالإضافة إلى إلغاء كلّ من مهرجان ربيع الثقافة ومؤتمر" ميد"  MEEDلرجال الأعمال الذي كان من المتوقّع أن يحضره عددٌ كبير من كبار رجال الأعمال والمستثمرين من مختلف دول العالم، ومؤتمر "سيسكو"  CISCOوهو من أهم المؤتمرات في مجال تقنية المعلومات.  كما وتعرّض القطاع العقاري لخسائر كبيرة نتيجة الرّكود الذي تعرّض له، ونتيجة إلغاء أو إيقاف مشاريع كبيرة من أهمها مشروع السوق العربية[4] بكلفة تصل الى 250 مليون دولار .


 أمّا بالنسبة للقطاع المالي والسّوق الماليّة؛ فقد شهدت بورصة البحرين ضعفاً ملحوظا في التّداول، حيث أشارت الدراسة إلى تأثر أسهم الشركات المندرجة تحت مظلة الأعمال بتدني مستويات الأعمال بنسبة تفوق 50٪ عما كان سائداً قبل اندلاع الأزمة في البحرين. كما وشهد مؤشر البحرين تراجعاٌ في نهاية العام 2011 بلغت نسبته 20.15٪ من قيمته. أما بالنسبة للقطاع المصرفي، وبالرغم من الخسائر التي شهدتها البنوك في البحرين في العام 2011، إلا أنه كان للاحتجاجات أثر كبير على تدفّقات رأس المال إلى الخارج بوتيرة متزايدة أسهمت بشكل كبير في انخفاضٍ في الاحتياط المالي في البنك المركزي. وقد أصدر البنك المركزي في العام 2012 سندات حكومية بقيمة 1.5 مليار دولار، أي ما يعادل 564 مليون دينار بحريني[5]. وفي حين كان إصدار هذه السّندات يحظى بإقبال كبير في الطّلب، إلا أنه يُشكل عبئاً على الحكومة التي تعاني أساساً من عجز في الميزانية، وتفاقم في الدين العام الذي بلغ أعلى مُعدّل له في منتصف العام 2012. أما أهم الصادرات، مثل صادرات الألمنيوم، فكانت الأقل تأثراٌ من الأحداث السّياسيّة والأمنيّة، حيث إن إنتاج الألمنيوم، والذي يُعدّ من أهم الصناعات والصادرات في البحرين بعد النفط المكرر ، لم يشهد أي توقّف، بالرغم من شبه العصيان المدني الذي شهدته البحرين في الشهرين الأوليين من التظاهرات والاحتجاجات.


 كما وتكبدت البحرين خسائر أخرى من الصّعب قياسها أو تحديد رقم له، إلا أن عرض بعض التطوّرات الناجمة تفيد في تقييم حجم هذه الخسائر. ومن أهم الخسائر تأثّر سمعة البحرين بوصفها مركزا ماليّاً ومستقرّاً. ووفقا لمجلس التنمية الاقتصادية، فهناك 20 شركة جديدة استثمرت في البحرين في عام 2011، على الرغم من أنه لم يذكر عدد الشركات والبنوك الأجنبية التي انسحبت أو انتقلت إلى الدّول المجاورة، والتي من ضمنها بنك (Credit Agricole) الفرنسي، وذلك حسب مصادر إعلامية[6]  كما و نقلت بعض البنوك مراكز عملياتها الى الخارج نظراً لعدم استقرار الأوضاع في المملكة مما أثر بشكل كبير على سمعة البحرين كمركز مالي إقليمي يستقطب العديد من البنوك العالميّة والشركات الماليّة العالميّة. وقد أسهم خفض وكالة " موديز" لدرجة تصنيف البحرين الائتماني في ذلك بشكل كبير، حيث خفضت وكالة موديز التصنيف الائتماني للبحرين درجة واحدة مع نظرة مستقبليّة سلبيّة[7]، مستندة إلى استمرار التّوتر السّياسي في البلاد في العام 2011. كما وأبقت وكالة موديز على تصنيفها السلبي للبحرين مؤخراً، معلّلة ذلك بعدم استقرار الأوضاع الأمنيّة، والتي أثّرت سلباً على وجود بيئة صحّيّة لاستمرار الأعمال التّشغيليّة للبنوك الكبرى. بالإضافة إلى استمرار ارتفاع القروض المتعثّرة، والتي تُشكّل معدل 8% من إجمالي القروض، نتيجة ضعف القطاع العقاري والوضع السّياسي الذي أثر على عمليات الإقتراض وأداء مستحقات  القروض. وقد استنفرت الجهات الحكومية ووجّهت طاقاتها، ومن ضمنها عمل مجلس التنمية الاقتصادي، لاستعادة سمعة البلاد باعتبارها مركزاً ماليّاً مهمّاً وآمناً، بالإضافة إلى استعادة الثقة في السوق المالية البحرينيّة، ولكنه من غير المعلوم إن كان هذا الاستنفار سيحقّق النّجاح المنشود.


 وقد يكون أكبر الخاسرين في خضم احتجاجات 2011 هي شركات الطيران، حيث أعلنت شركة طيران البحرين - المملوكة من القطاع الخاص - مؤخّراً افلاسها، والشّروع في تصفيتها، كما وأعلنت شركة طيران الخليج عن تسريحها لعددٍ كبير من الموظفين، فيما يعادل 15% من عدد موظفي الشركة وإغلاق أربع وجهات في إطار استكمالها لخطة إعادة هيكلة الشّركة، والتي بدأتها في العام 2012، وهي العملية الثالثة من نوعها خلال بضع سنوات. وتأتي هذه الخطوة تعويضاً لتراكم الخسائر على الشركة، وخصوصاً بعيد بدء الاحتجاجات في العام 2011. وقد علّقت البحرين الرّحلات الجوية إلى إيران والعراق حتى أواخر العام 2012 على خلفيّة الاحتجاجات، بعدما اتّهمت السّلطاتُ البحرينية كلاًّ من طهران وبغداد بدعم الاحتجاجات. ولم تخف شركة طيران الخليج أن تعليق الرحلات إلى هذه الوجهات، والتي تعتبر من أكثر المحطات ربحيّة، والتي تُشكل الرّبع من محطات الطيران للشركة؛ تسبّب بتكبّد الشركة خسائر باهظة، حسب تصريحات رئيسها التنفيذي المجالي. وفي هذا السياق، أفاد وزير شؤون مجلس الوزراء، كمال بن أحمد، بخصوص الخطة الأساسيّة لطيران الخليج، والتي تمّ إقرارها في نهاية 2009م، والتي تهدف إلى الوصول بالشركة إلى نقطة التعادل (إنهاء الخسائر) مع نهاية 2012م؛ بأنّ الاحداث التي مرّت بمملكة البحرين أثرت سلباً في أداء الشركة وفي التزامها بالخطة. وقد أعلن سامر المجالي الرئيس التنفيذي لطيران الخليج أنّ حجم الخسائر التي تكبّدتها الشركة بسبب الأحداث السّياسيّة التي شهدتها المملكة؛ بلغ أكثر من 250 ألف حجز متوقع خلال الفترة من 14 فبراير إلى أول مايو من العام 2011، مبيّناً أنّ مؤشّرات الحجز والمبيعات في الشركة انخفضت خلال الفترة نفسها بنسب تتراوح بين 25% و30%. وقدرت استمرارية خسائر طيران الخليج بقيمة تعادل 200 مليون دينار حسب إفادة وزير المواصلات البحريني للّجنة الماليّة والاقتصادية بالبرلمان البحريني. ومن الضروري التنويه إلى أن غياب الشفافية الماليّة لعرض النّتائج المالية للشركة؛ يعدّ من السّلبيات الكبرى للشركة، ولذا يصعب على المحلّلين تقييم وضع الشركة الفعلي.


 

 العجز في الميزانية والدين العام قبل الأزمة وبعدها


 من المتوقّع أن يبلغ العجز المالي للعامين 2013 و2014 ما يعادل 660 مليون دينار و750 مليون دينار على التوالي، أي ما بين 6٪ و6.6٪ من النّاتج المحلّي في هذين العامين. ويُتوقّع أن يبلغ العجز المالي للسّنة المنصرمة 2012 ما يعادل 727 مليون دينار بحريني. بينما بلغ العجزالحكومي الفعلي في العام 2011 31 مليون دينار بحريني[8] مقارنة بما كان مُتوقعاً في الميزانيّة المعتمدة، والذي يعادل 1.1 بليون دينار بحريني. وقد ساهم ارتفاع أسعار النفط، والتي بلغت معدل 110 دولار للبرميل حسب إحصائيات صندوق النقد الدولي، في ارتفاع معدّل عائدات النفط، حيث بلغت 2.5 مليار دينار في العام 2011 أي ارتفاٌع سنوي نسبته 33.85٪. أمّا سعر النّفط الذي تحتاجه البحرين لمعادلة الميزانيّة، فيتعدّى المعدل العالمي لسعر البرميل الواحد، والذي يُقدّر بما يقارب 115 دولاراً للبرميل الواحد. وقد كان اعتماد الميزانيّة مبنيٌّ على 80 دولار للبرميل الواحد في العامين 2011 و2010. ونظراً لارتفاع مستوى الإنفاق، فقد اعتمدت ميزانتي و2013 و 2014 على أساس 90 دولار للبرميل[9]، مما يقلّص من حجم الفائض للحساب الجاري للدّولة، والذي تُشكّل صادرات النفط الجزء الأكبر منها، إذ تنتج نحو67 ألف برميل من النفط الخام يومياً من أراضيها، في حين يُقدّر أنها تتسلّم نحو 158 ألف برميل من النفط الخام من حقل أبوسعفة البحريني المشترك مع المملكة العربية السعودية (ولكن لا يعرف بالتحديد الأرقام الفعليّة ونوعية الاتفاقية مع السعودية). كما تستورد البحرين نحو 200 ألف برميل من النفط الخام السعودي لتصفيته، وإعادة بيعه في الأسواق الدّوليّة حسب بيانات مجلس التنمية الإقتصادية في البحرين. بما أنه من المتوقع أن يتراجع إنتاج البحرين للنفط في العقدين القادمين، كما هو المتوقع من تراجع الإنتاج العالمي للنفط الخام (برنت)؛ فإنّ الاتجاه التصاعدي في حجم الإنفاق العام للدّولة من شأنه أن يُقلّص الفائض بشكل أكبر. كما وأن السّعر الذي يلبي حاجة البحرين لمعادلة الميزانية سيرتفع إلى معدل ما بين 122 و126 دولاراً للبرميل الواحد في السنتين 2013 و2014 مما سيُفاقم حجم العجز العام في الميزانية للدّولة، خصوصاً في ظلّ الغموض الذي يلفّ تقلّبات أسعار النّفط العالميّة في السّنوات المقبلة. ويأتي اعتماد عائدات البحرين على عائدات النفط بنسبة 88٪ من الإيرادات العامة، مما يجعل ميزانيّة الدّولة عُرْضة للتقلّص أو زيادة في العجز، نظراً لأيّ تأثر على أسعار النفط والطلب العالمي.


                                         

  المصدر: تقرير البنك المركزيالمؤشرات الإقتصادية العدد 35 (اصدار مارس (2012 وبيانات الحساب الختامي لوزارة المالية البحرينية للعام  2011

 

جدول 3.8: الميزانية العامة في الحرين

المصدر: تقرير البنك المركزيالمؤشرات الإقتصادية العدد 35 (اصدار مارس 2012)  وبيانات الحساب الختامي لوزارة المالية البحرينية للعام 2011 ووكتالة الأنباء البحرينية بنا

ملاحظة: الأرقام للأعوام 2012-2014  تقديرية حسب المصادر المختلفة المذكورة أعلاه

 

الدّين العام
 

 ارتفع الدّين العام بشكل مستمر، وبوتيرة سريعة، منذ اندلاع شرارة الأزمة الماليّة العالميّة في الولايات المتحدة الأميركية في سبتمبر 2008؛ إذ كان الدين العام لحكومة البحرين في 2008 يبلغ 705 ملايين دينار، فيما قفز في 2009 إلى 1.34 مليار دينار في شكل أدوات الدين المحليّة والقروض الخارجيّة والسّندات الدّوليّة، وتضاعف إلى 2.44 مليار دينار في 2010،  أي ما يعادل 28.3٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وقفز إلى 3.16 مليار دينار في 2011م، ووصل ذروته في شهر أغسطس 2012 عند 3.94 مليارات دينار أي ما يُعادل تقريباً 40٪ من الناتج المحلي المتوقع للعام 2012 حسب الأسعار الجارية. وتعدّ هذه النّسبة الأعلى في الخليج، حيث ارتفعت نسبة الدين العام الى الناتج المحلي من 14٪ في العام 2008 الى 40٪ في العام 2012. وبالرغم من أن حجم الدين العام للبحرين يعد متدنيّاً مقارنة بمستوى الدين العام للدّول على الصّعيد العالمي، إلا أن نموه جاء بوتيرة متسارعة وتصاعدية وبشكل ملحوظ، ولا زالت الإيرادات تعتمدُ بشكل شبه مطلق على ثروة ناضبة وهي النفط، وهو ما يُنذر بخطر محدق وخطير في دولة نفطيةٍ من المفروض أن تكون مُصدّرة لرأس المال، لا أن تكون دائنة. ومن اللافت أن البحرين هي الدّولة الوحيدة في المنطقة التي تمتلك ديوناً متراكمة بهذا الحجم.


 ويأتي هذا النمو في الدين العام نتيجة تزايد الإنفاق العام للدّولة، وبشكل كبير، في القطاع الخدماتي، ودعم المواد الاستهلاكيّة، نظراٌ لإرتفاع أسعار المواد الغذائية العالميّة. ويندرج هذا الإنفاق والدعم، بالإضافة إلى الصرف على مشاريع سكنيّة، من ضمن سياسة متّبعة قي دول الخليج تضمن استقراراٌ اجتماعيّاٌ  وسياسيّاٌ. وفي الوقت الذي يلبّي نظام الدعم الحالي جزءاٌ يسيراٌ من احتياجات المواطنين، إلا أنه لا يمكن تحمّله في شكله الحالي في ظلّ الطلب المتزايد على الوقود والغذاء نتيجةً للنّمو الاقتصادي. كما وتركّز معظم الانفاق الحكومي في موازنة العامين 2011 و2012 والبالغ 6 مليار دينار تقريباً (نحو 16.4 مليار دولار) على البنيّة التّحتيّة الاجتماعيّة وزيادة الدّعم. ومن المشاريع الأساسيّة مشروع بقيمة 550 مليون دولار لبناء مساكن[10]، وذلك لكون السكن من المشاكل الأساسية التي يعاني من عدم وفرتها المواطن البحريني؛ إذ إن الطلب على المساكن من قبل المواطنين يُتوقّع أن يرتفع من 124065 وحدة في العام 2010 إلى 173069 وحدة في العام 2020، وإلى 225131 في العام 2030، وفقاً لتقرير صدر عن مجلس التنمية الاقتصاديّة. كما وتمّ صرف 2660 دولاراً لكل عائلة بحرينية في مطلع العام 2011 إبّان الاحتجاجات العربية الذي طالت رياحه االبحرين، في محاولةٍ لاستباق الاضّطرابات السّياسيّة. وسوف تستمرّ الحكومة في توجيه المال العام نحو الأسر البحرينية في محاولة لإخماد الاحتجاجات السّياسيّة، وأي إصلاح لنظام الدعم من غير المُرجّح أن يمضي بسرعة، نظرا لمدى حساسيّة هذه القضية سياسيّاٌ.


 ويبقى نظام الدّعم المالي في وتيرةٍ تصاعديّة، حيث خُصّص ما يعادل 1.5 مليار دولار كإجمالي الدعم المالي للعامين 2013 و2014 من إجمالي الدعم العام، والذي من المفترض أن يبلغ ما فوق 3 مليار دينار بحريني، حسب بيان للوكيل المساعد لوزارة المالية بشأن ميزانية العامين 2013 و2014م، والتي نشرت نصّ بيانه وكالات الأنباء البحرينيّة. ويُشكّل هذا المستوى من الدعم 40٪ من إجمالي الإنفاق العام أيضاً؛ نسبةً عاليةً، مقارنة بالدّول الأخرى.


 ولذلك، فإنّ توجّه الدّولة نحو الاستثمار وتوظيف شركات التنقيب عن النفط والغاز، وتطوير المنشآت الحاليّة؛ يُعدّ من الخطوات الحكوميّة الرّئيسيّة لتأمين مصادر دخل للدّولة، وللحدّ من تأثر ميزانيّة الدّولة من انخفاض الإنتاج، لأن موازنة الدّولة لا زالت تعتمد بشكل كبيرٍ على عائدات النفط، والتي تُشكّل ما يقارب 88٪ من الإيرادات الماليّة. كما وقامت الحكومة في العام  2012 - بإصدار سندات التنمية بقيمة 1.5 مليار دولار أمريكي[11]. ويُضاف إلى هذه السندات، فهناك "المارشال الخليجي"، والذي من المُتوقّع أن تتلقّاه البحرين، والذي يُقدّر بقيمة 10 مليارات دولار أمريكي على مدى العشر سنوات المقبلة، حيث سيتمّ الدفع بشكل دفعات، على حسب قيمة المشاريع التنموية المقامة. وحسب ما صدر في الإعلام، فستقدم المملكة العربية السعودية الجزء الأول بقيمة 448 مليون دولار من حصّة الدّعم التي ستقدمها السّعودية للبحرين، والتي تُعادل 2.5 مليار دولار من البرنامج. ومن المفترض أن يُخصّص الجزء الأول من الدّعم السّعودي لدعم المشاريع السّكنيّة الإنمائية. كما وأعلنت البحرين عن استعدادها لطرح ثلاثة مبادرات استثماريّة واسعة النطاق لتمويل المشاريع التالية، وهي: 1) 4.8 مليار دولار أمريكي توجّه إلى شركة النفط الوطنيّة بابكو. 2) 2.2 مليار دولار توجّه إلى شركة البحرين للألمنيوم، ألبا، و 3) 1،2 مليار دولار توجّه إلى "شركة الخليج للصناعات البتروكيميائية" والتي هي في صدد توسيع قطاعها الصّناعي وتنويع مصادر الدّخل.

 

سوق العمل
 

 قد تكون تداعيات الأزمة على سوق العمل هي أكثر ما يُؤرّق البحرينيون على المستوى القريب، خاصة في ظلّ حالة الرّكود النّسبي الذي يسود القطاع المالي، وعدم مقدرة القطاع العام على امتصاص أعداد إضافيّة من المواطنين الباحثين عن العمل. ولا يزال مُعدّل البطالة المُعلن رسميّاً بين البحرينيين يقع تحت 5%، مما يعني أن البطالة لم تصل بعد إلى معدلات عالية جدّاً في خضم الأزمة المالية. وكان للأزمة السّياسيّة الأثر المباشر في إيقاف أو فصل الآلاف من وظائفهم في عام 2011، حيث قدّر الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين عدد المفصولين بـ4000 مفصول، إلا أنّ الغالبية السّاحقة منهم قد تمّ إعادتهم إلى اعمالهم في غضون عام 2012.
 


 وكما هو الحال في باقي دول المجلس، يُشكّل الوافدون غالبية سوق العمل (77% في عام 2011) في البحرين، ويتمركزون أساساً في القطاع الخاص (62% من إجمالي سوق العمل) والقطاع المنزلي (14%). في المقابل، وعلى عكس باقي دول المجلس، يفوق عدد البحرينيين في القطاع الخاص (15% من إجمالي سوق العمل) شركاؤهم في الوطن الذين يعملون في القطاع العام (8%)، إلا أنّ هذه الأرقام قد تكون مضلّلة، خاصة وأنّ الكثير من الشّركات التي تمتلك الحكومات غالبية الأسهم فيها (مثل "ألبا" و"أسري") تُصنّف رسميّاً ضمن القطاع الخاص.

 

الملخص: أزمة سياسية واقتصادية محدقة
 

 في الوقت الذي شهدت البحرين نمواً ملحوظاً في حجم الإنفاق بلغ 8٪ في العام 2012 على أساس سنوي، من المُتوقّع أن يرتفع إلى 12٪ في العام الحالي؛ إلا أنّ نموّ النّاتج المحلي حسب الأسعار الجارية شهد نمواً هامشياً في العام 2012. وكما أنّه من المتوقع أن يُسهم الإنفاق في نموّ النّاتج المحلي بشكلٍ أكبر، إلاّ أنّ معظم المشاريع التي تتبنّاها الدّولة وتموّلها؛ هي بإشراف وإدارة شركات خارجيّة أو خبراء أجانب، ممّا يحدّ من أثر هذه الاستثمارات الحكوميّة، وفاعلية الصّرف في نموّ النّاتج المحلي. إضافة إلى أنّ مُعدّل الإنفاق الحكومي هو في معظمه نفقات جارية، ممّا يجعله من الصّعب الحدّ من حجم الإنفاق بشكلٍ كبير، بالرغم من تعهّد الحكومة بزيادة الدّعم للسّلع، وزيادة الصّرف على السّكن والمدارس والمستشفيات، علاوة على الزّيادات في الرواتب في خضم الاحتجاجات السياسية في الدولة. ويأتي هذا الصّرف الجاري بآثار سلبيّة على الإنفاق على المشاريع الإستثمارية، كما أشرنا في الفقرات السابقة. وقد تراجع حجم الإنفاق على المشاريع الإستثمارية في ميزانية العامين 2013 و2014 بما يعادل 77٪ من حجم الإنفاق على المشاريع الإستثمارية في العام 2012، ممّا يُشير إلى أنّ النّمو الاقتصادي في البحرين سيكون مرتبطاً، بشكل أساسي، بالتّقلّبات في سعر النّفط العالمي في هاتين السّنتين.


 أمّا بالنّسبة إلى الرؤى التنمويّة البعيدة المدى، ومحاولة تنويع مصادر الدّخل بعيداً عن النفط؛ فيبدو أنّ هذا الكلام قد تمّ تأجيله إلى أن يتمّ حل "المشكلة السّياسيّة". ويبدو أنّ رؤية 2030 الاقتصاديّة برعاية مجلس التنمية الاقتصادية والمدعومة من قبل ولي العهد؛ قد خف بريقها، ولا يوجد في الوقت الحاضر في السّاحة البحرينيّة المشغولة بالأحداث السّياسيّة؛ حديثٌ يُذكر عن تنويع مصادر الدّخل أو رؤية 2030، بل إنّ الاعتماديّة على عوائد النفط زادت بشكل ملحوظ. ولا تبدو الرّؤية المستقبليّة للاقتصاد البحريني مطمئنة على المستوى القصير، أو المتوسط أو الطويل، في ظلّ الاحتقان السّياسي، وزيادة الإنفاق، والدّيون المترتّبة، وعدم وجود أيّة بوادر للتّنويع بعيداً عن النفط. وستبقى البحرين محطّ أنظار بقيّة دول مجلس التعاون، كونها أوّل دولها التي بدأت تلوح فيها بوادر أزمة اقتصادية حقيقيّة، نظراً لتزايد الانفاق فوق الإيرادات المحصلة من النفط الناضب، وتزامن هذه المشكلة الاقتصاديّة مع مشاكل سياسيّة حادّة، مما ينذر بخلطةٍ متفجرة، لا يُعرف مداها ومسارها على المستوى القصير والمتوسط والبعيد. وقد لا يكون بعيداً وصف بعض المراقبين للبحرين بالدّولة التي قد تكون في طريقها إلى الفشل failing state من النّاحية الاقتصاديّة، وذلك في حال استمرّ المنوال الاقتصادي والسّياسي على ما هو عليه الآن، ولفترةٍ ممتدة من الزّمن.

 

لقراءة الجزء التالي من التقرير                                                                  

لقراءة النسخة الكاملة من التقرير (pdf) 

لتصفح محتويات التقرير الكتروني

 


[1]  علماً بأن بينات البنك المركزي للربع الثاني من العام 2012 – يونيو 2012 تختلف تماماً عن البيانات السابقة للسنوات السابقة مما يتيح مجالاً للشك في مدى دقة البيانات ومصداقية البنك المركزي في معلوماته، ذلك لأنه لم توفر أية أسباب لاختلاف الأرقام.

[2]http://www.alwasatnews.com/3419/news/read/622306/1.html