مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

3.5

طباعة PDF

تركيبة الاقتصاد السعودي
 

 يتكوّن الاقتصاد السّعودي، بحسب ما تُظهره الإحصاءات الرّسميّة، إلى عدّة قطاعات، أهمّها قطاع النّفط والقطاع العام، ومن ثم القطاع الخاص، إلا أنّ جميع تلك القطاعات ونموّها وتصاعد استثماراتها يرتبطُ بحجم العوائد الماليّة من عمليّة تصدير النّفط. ففي آخر ميزانيّة أعلنت مطلع عام 2013م - والتي تعدّ أضخم ميزانية على الإطلاق في تاريخ السّعوديّة - بلغ النّاتج المحلي 2727400 مليون ريال بالأسعار الجارية، تظهر عوائد النفط على أنها تُشكل 46.8٪ من الناتج المحلي، وتمثل القطاعات غير النّفطية (القطاع العام والخاص) البقية منه. أمّا إذا تمّ احتساب النّاتج المحلي بالأسعار الثّابتة، فتتدنّى نسبة مساهمة قطاع النفط إلى 19%. لكن، وبالرّغم من أنّ تلك الإحصاءات تعدّ رسميّة، إلا أن ذلك يخفي حقيقة أن يبقى ان المشكل الرئيسي للناتج المحلي هو النفط، الذي يعتبر المورد الأساس الذي تقوم عليه الحكومة، ويُشكّل أهم مصدر لإنفاقاتها بنسبة تقارب 93٪. بالتالي فإنه حين يتم الإشارة في الناتج المحلي إلى تعدّد القطاعات؛ فإن ذلك يخفي حقيقة أن المورد الأساس للدّولة هو النفط، وعن طريقه تموّل جميع المرافق العامة، والصّناعة، والنّقل، إضافة إلى قطاع إنتاج الكهرباء والمياه، وما يتعلّق بها.


 

 أما عن القطاع الخاص، فكما هو الحال في باقي دول المجلس؛ فقد يبدو في الظاهر أنّ القطاع الخاص في السّعودية له صفة استقلاليّة عن القطاع الحكومي أو النّفطي، خصوصاً إذا لاحظنا أنّ الإحصاءات الرّسميّة تُظهر أنّه يُشكّل 34.6% من النّاتج المحلّي[1]، لكنه في جزء كبير منه جزءٌ لا ينفكّ عنها، ووجوده مرتبط بالدّولة وباستمراريّة استهلاك النفط، ومن أهم الدّاعمين له هو القطاع الحكومي، إذ أنشأت الحكومة العديدَ من الصّناديق الاستثماريّة لدعم مشاريع القطاع الخاص، سواء أكانت مشاريع صناعيّة أم مشاريع متوسطة وصغيرة. وبالرغم أنّ جميع تلك النفقات للقطاع الخاص؛ فإنّ إيراداته لا تُشكّل جزءاً كبيراً من النّاتج المحلّي. ويؤكدُ أستاذ الاقتصاد الدكتور عبدالعزيز الدّخيل على أنّنسبة القطاع الخاص - من الناتج المحليمتدنيّة، وأقلّ بكثيرٍ ممّا تُظهره الإحصاءات الحكوميّة"[2].


 هذا الاعتماد والاستهلاك الدّائم للنفط، والذي يتراوح إنتاجه (خصوصا خلال السّنوات الأخيرة) ما بين 9 إلى 12 مليون برميل يوميّاً، والذي بدوره يؤدّي إلى زيادة أو تقلّص الإنفاق الحكومي، إضافة إلى عنصر الازدياد السّكاني والحاجة المتزايدة إلى تأمين الطاقة والمياه والمحافظة على الأمن؛ كلّ ذلك بدأ يُشكّل خطورة على التّنمية الاقتصاديّة للسّعوديّة. فإضافة إلى أنّ هذا المورد (النفط) المستهلك بازدياد؛ هو بالأساس متناقص، ويُقدّر عمره ما بين سبعين  إلى ثمانين عاماً، وهذا المدى الزّمني قصيرٌ جدّاً في عمر الدّول والشّعوب، وسينخفض إنتاجه - بحسب شركة أرامكو السّعودية - منذ عام 2028م بمقدار 3 مليون برميل يوميّاً، ليصل إلى 7 مليون برميل يوميا[3]؛ سيعكس الاستمرار في استهلاكه؛ خفض الإنتاج للأسواق العالميّة، ممّا سيُسبّب في ضرر للاقتصاد، وبالتالي تقلّص في الإنفاق الحكومي.

 

 ولقد حذّر صندوق النّقد الدّولي في أحد تقاريره الصّادرة مؤخّراً؛ من أنّ هذا الارتفاع الضّخم في الانفاق الحكومي الذي تشهده السّعودية في السّنوات الأخيرة؛ تجاوز المستوى الذي يضمن حقوق الأجيال من الثّروة النّفطيّة[4]. وذكر تقريرٌ آخر لصندق الّنقد الدّولي صدر في 29 أكتوبر 2012م تعليقاً على الميزانيّات الضّخمة والفوائض المالية التي تعلن عنها الحكومة سنة بعد أخرى منذ عام 2004م بشكل متزايد، أن تلك الفوائض الماليّة ستبدأ بالانخفاض منذ عام 2013م إلى أن يصل إلى العجز في عام 2017م إذ لم تدرك الدولة خطر الانفاق الحكومي[5]. لكن الأمر ما زال في السّعوديّة يسيرُ بعكس تلك التقارير والتّحذيرات، فاستهلاك الموارد النفطيّة من أجل زيادة الإنفاق، أو خضوعه للسّياسات الخارجيّة والدّوليّة التي عادة ما يتمّ الاستجابة لها وتلبية متطلباتها، هو الأساس الذي يقوم عليه الإقتصاد. بل إنّنا إذا نظرنا في ماذا يتم الإنفاق الحكومي، فنجد أنه بالإضافة أن غالبيّة الانفاق يتجه نحو الانفاقات الجارية؛ فإننّا أيضاً سنجد أنّ جزءا كبيرا من الانفاق الرأسمالي يذهب إلى مشروعاتٍ معظمها في الإسمنت والحديد والمعدات والأراضي، ففي عام 2012م احتلّت السّعوديّة المركز الأول في العالم العربي في الإنفاق على مشاريع البناء بإنفاقٍ قاربَ 20 مليار دولار، وبلغت مبيعات الإسمنت 52.7 مليون طن عام 2012م في مقابل 46.9 مليون طن عام 2011م.[6]


 ويتّهم النّقاد بأنّ المشكلة الاقتصاديّة في السّعودية لا تتوقف في الاستهلاك والاعتماد على مورد ناضبٍ بطبيعته، بل إنّها تمتدّ لتصل إلى التّخطيط الإستراتيجي والخطط التي تعلن عنها الدّولة، وإدارة الموارد الماليّة، إضافة لخطوط التّواصل بين الوزارات والأجهزة التي تختص بقضايا الاقتصاد والطاقة. فبالرغم من إعلان الدّولة في كلّ خمس سنوات عن الخطّة التنمويّة الخمسيّة، إلا أنّ هناك اتهامات أنّ تلك الخطط افتقدت فعليّاً عند تطبيقها لوجود أحد أهم عناصر التّنميّة، وهو ما يُعرف بالتّنميّة المُستدامة، فالأموال والاستثمارات والفوائض التي تحفظها الدّولة وتدّخرها تُستخدم متى ما رأى صانع القرار تمويل مشروع من خلالها، أو لزم الأمر إلى إنشاء مشروع طارئ، أو واجهت الدّولة عجزاً في الميزانيّة إذا انخفضت المواد البتروليّة.
 

 كما أنّ الطّريقة التي تقرأ المؤسّسات الرّسميّة من خلالها الموارد الماليّة للدّولة، تختلف في الواقع عن ما يتمّ عرضه وإعلانه، كأن يُسمّى استهلاك الثّروة البتروليّة إنتاجاً، وبالتالي فإنّ العملَ على إدراج الأرقام التي تعرض استهلاك النّفط والغاز هي في الحقيقةتضخيم غير حقيقي لحجم الاقتصاد السعودي، أضف إلى ذلك أن المشاريع الحكوميّة التي يُعلَن عنها بمبالغ ضخمة تُحسب ضمن النّاتج المحلّي للدّولة، وهي مشاريع يمكن أن تُنجز بأقلّ بكثير من الأرقام المُعلن عنها، وبالتّالي فإنّنا نستطيعُ القول أنّ أرقام النّاتج المحلّي هي أرقاممبالغ فيها، فتلك الأرقام والمشاريع يتمّ إدخالها بمصروفاتها وحساباتها ضمن حسابات النّاتج المحلي[7].

 

الفساد والشّفافيّة
 

 وكما هو الحال في باقي دول الخليج (فيما عدا الكويت نسبيّاً)، فإنّه تحت ظروف نظام سياسي ملكي ومركزي تعود فيه السّلطات ورسْم السّياسات إلى سلطةٍ واحدةٍ تتعدّد وظائفها من التّشريع وإقرار القوانين والميزانيات، إلى مراجعتها ومراقبتها من خلال تقارير تُرفع من قِبل الجهاز التّنفيذي في الدّولة، دون وجود سلطةٍ رقابة نابعة من الشّعب، إضافة إلى اعتمادٍ على النّفط وعدم وجود شفافيّة في طريقة توزيعه أو الاتفاقيّات بين كلٍّ من الحكومة والشّركات العاملة في حقل النّفط؛ فمن الطبيعي أن تكون السّعوديّة - بحسب تقرير منظمة الشفافية الدولية لعام 2011 - في الترتيب 57 بين دول العالم، لكن وبالرّغم من إنشاء هيئة مكافحة الفساد واعتراف الحكومة السّعوديّة، من خلال بيان ملكي، بوجود الفساد بعد أن وقعتكارثة جدة؛ تراجعت نتيجة التقرير في عام 2012 لتصبح السّعودية في الترتيب 66 عالميّاً.


 ويُرجّح المراقبون بأنّ العامل الأهم في تعريف وتوضيح صورة الفساد في السّعودية؛ هو شكل النّظام الإداري في الدّولة، والمتمثّل في مركزيّة صنع القرار، وآليّة الإنفاق الحكومي المتبعة في الميزانيّات والمشاريع التي يُعلن أو يُوصى بتنفيذها، والتي عادةً ما تصبّ في مصلحة ما يُمكن أن نسمّيهم المتنفذين أو المستفيدين من تلك الأموال والقرارات، ويرى النّقاد بأنّه حتى وإنْ تمّت محاكمتهم أو إبعادهم عن مناصبهم؛ فإنه لا يُستبعد أن ينتفع ويستفيد البديل من ذلك، نتيجةً للتّعقيد وانعدام الرّقابة في النّظام الإداري السّعودي. [8]


 تتضح مشكلة التّعقيد في صنع القرار في السّعودية في الآليّة المتّبعة لإصداره. فدولة ذات مساحة واسعة مثل السعودية، تنقسم إلى 13 منطقة، تختلفُ مقوّمات كلّ منطقة عن الأخرى بحسب ابتعادها عن المركز، فنجد أن أشكال التنمية والتحضّر تقلُّ في المناطق البعيدة عن المركز، خصوصاً تلك التي تقع في الأطراف، نتيجةً لاختلاف ترتيب المشاريع وأولويتها، ممّا زاد عملية الهجرة والانتقال من الأطراف إلى المركز، لتظهر لنا مشكلة أخرى تتعلق بالكثافة السّكانيّة، وارتفاع أسعار العقار. أضف إلى ذلك، أنّ مجالس المناطق، والتي يرأسها أميرُ كلّ منطقة، دوره ينحصر فقط في رفع الاحتياجات والمطالب إلى المركز أو الفرع الرئيسي للوزارة، والذي من حقه ترتيب أولويات المشاريع في الدّولة واتخاذ قرار تنفيذها ومصروفاتها الماليّة، لكن إذا تمّ ذلك وقرّرت ميزانية المشروع؛ يغيبُ عامل الرّقابة على جودة التنفيذ أو المصروفات، لتظهر عيوب المشاريع بعد إنهائها بفتراتٍ قصيرة جدّاً، من غرق مدن أو سقوط جسور. وهذا ما حصل خلال الأعوام الماضية، إذ أحدثت كمّية عادية أو متوسطة من الأمطار أضراراً وكوارث وخرابات نتجَ عنها وفيّات ومفقودون في جدّة وتبوك وبعض المدن والقرى الصّغيرة[9].


 تلك الكوارث دفعت الدّولة إلى الاعتراف بحقيقة وجود الفساد المالي والإداري فيها، وذلك أيضاً ما دفع الملك عبدالله بن عبدالعزيز إلى استدعاء قرار أُصدر في عام 2007م (1428هـ) لمكافحة الفساد، فأمرَ بإنشاء الهيئة الوطنيَة لمكافحة الفساد عام 2011م. هذا الاعتراف من الحكومة، وإنْ كان متأخّراً، إلا أنّه خرج عمّا اعتاده المواطنون من ردود أفعال الدّولة، حيثالتّكتّم وعدم الإفصاح، فكانت الحكومة تعمل على إظهار أنّها مسيطرة على الأمور إذا ظهر خللٌ معيّن، وذلك من خلال إنشاء لجان تحقيق تُدار من قبل منْ هم متّهمون في نفس الوقت بمسؤوليتهم عن ذلك الخلل، مثل أمير المنطقة أو بعض المسؤولين في الإدارات الحكوميّة، وبالتالي كثيرا ما لا يُسمع لتلك اللّجان صدى أو أيّة قرارات فاعلة، وهناك منْ يتّهمها بأنّ غرضها هو امتصاص الغضب الشّعبي لا غير.


 ولهذا، فقد تكاثرت الاتّهامات بأنّ إنّشاء هيئة مكافحة للفساد لن يُغيّر من الواقع شيئاً، وأنها لم تستطع مواجهة الفاعل الحقيقي في قضايا الفساد، مثل المتنفّذين من الأسرة الحاكمة، وبعض النّخبة المشاركين في صناعة القرار، والذين امتدّ نفوذهم ليشمل العديد من الوزارات والهيئات والمصالح الحكوميّة، إضافة إلى أنّ الهيئة لا تستطيع منع توارث المناصب، والتي أصبح بعضها حكراً على بعض العوائل، ويتولاّها منْ يثبُت ولاءه وطاعته، قبل كفاءته وجدارته. ويرى البعض أنّ كلّ ما تستطيع أن تقدّمه الهيئة هو محاسبة بعض الموظفين في المناصب الدّنيا، ومواجهة قضايا فساد صغيرة، إضافة إلى أنها لا تملك جوانب عمليّة في الرّقابة، فكلّ ما تعمل عليه هو مخاطبة الوزارات والإدارات العامة حول آثار الفساد، ومطالبتهم بالعمل على مكافحة الفساد، وجميع تلك المخاطبات منشورة على موقعهم الرّسمي[10].


 ويشير بعضُ نشطاء الإصلاح السّياسي في السّعودية عبر بيان نُشِرَ بعد كارثة جدّة؛ أنّ سرقة الموارد الماليّة في الدّولة يأخذ عدّة مراحل، تبدأ من عوائد النّفط التي وصفوها بأنّها لا تدخل ضمن الميزانيّة العامة، بل تذهب مباشرة إلى جيوب بعض المستفيدين، ويدخل في ذلك بعضالإعفاءات الضّريبيّة، إضافة إلى احتكار استيراد وتصدير بعض السّلع والخدمات الإستراتيجيّة. أمّا المرحلة الثّانية فتكون بعد حساب الميزانيّة، وإعلان ما يُسمّىبالاحتياطي الإستراتيجيأو الإدّخار، ففي ظلّ عدم وجود جهة رقابة شعبيّة على تلك الأموال ومصروفاتها؛ يجعل التساؤل مطروحاً عن حساب ذلك الإدّخار، وفي ماذا يتمّ صرفه أو ما هو حجمه. أما المرحلة الثالثة، فتتبيّن من خلال المشاريع ذات الأموال الضخمة، من مليارات الريالات، التي تُصرف على إنشاء المطارات والسّكك الحديديّة. أما المرحلة الرابعة فتتمثل في احتكار بعض المشاريع الضّروريّة، مثل بيع الأراضي ومشاريع المياه والصّرف الصحي. ويُطالب النّشطاء في هذا البيان بإبرام صيغة جديدة للعقد الاجتماعي بين الدولة والشعب، يتمّ فيهالتوصّل لآلية لتوزيع الدّخل بين الأسرة الحاكمة والشعب، وتُقنّن في مدخول الأمراء على أن يرفعوا أيديهم عن المناصب التي يتوارثونها... ويُترك للشعب حقّ التصرف في الميزانيّات الحكوميّة التي رُصدت لخدمته ولتنمية الوطن"[11].


 وعند الحديث عن الفساد والمطالب الإصلاحيّة، يجب التّطرّق إلى قطاع الدّفاع، إذ أثار وجود القوات الأجنبيّة في الخليج لدى المطالبين بالإصلاح السياسي ومكافحة الفساد؛ تساؤلاً حول الحاجة إلى تلك القوّات الأجنبيّة والاتفاقيّات القائمة معها، إذا ما كان هناك أصلاً مليارات الدّولارات (المُعلن عنها) والتي تُدفع مقابل صفقات السّلاح. ويشير تقرير صادر حول الفساد في قطاع الدّفاع عن منظمة الشّفافية الدّوليّة إلى أنّ بيانات مصروفات الدّفاع من المعلومات لا يُسمح للمواطنين في السّعودية بالإطلاع عليها، والرّقم الذي تنشره مؤسسة النّقد العربي السّعودي حول مصروفات الدّفاع (181991 مليون ريال[12]) رقم غير مُفصّل، كما لا يتم بيان ما يتمّ مقايضته من النّفط مقابل السّلاح، وبالتالي يستحيل قياس نسبة النفقات الحكوميّة على قطاع الدّفاع بالسعودية.


 وهناك منْ يرى بأنّ ضعف دور الصّحافة في السّعوديّة هو عامل مُساعد لتفشّي الفساد، فبالرغم من أنّ الصّحافة هناك قد أخذت، خلال السّنوات الأخيرة، مستويات أعلى في مجال حرّية التّعبير؛ إلاّ أنّها لم ترق للمستوى المأمول في نقاش قضايا الإصلاح والفساد، فما زالت الصحف تتبع مزاج صانع القرار السّياسي. وتبقى الصّفة العامة للصّحافة هي إلقاء الملامة على المواطنين وسلوكهم، كما هو الحال مع منْ انتقد ضحايا كارثة جدة، وحمّلهم تبعات الكارثة، دون أن يُشير إلى منْ سمح بإقامة الأراضي فيبطون الأودية“. وفي المقابل، وكما أوضحنا سابقاً في الجزء السّياسي؛ لا يستطيع النّاشط أو الفاعل السّياسي أن يتحرّك في فضاء حرّ سوى عن طريق مواقع التّواصل الاجتماعي، أو ما يُعرفبالإعلام الجديد“. وبرغم ذلك أيضاً، فإنّه لا يكون مُستبعداً من التحقيق والمساءلة فيما يذكره أو يُصرّح به، كما أنّ إنعدام وجود مجتمع مدني فاعل، ويُساعد في ممارسة الضّغط السّياسي ضدّ عمليّات الفساد، ويُضفي رقابة شعبيّة على المشاريع التي تقرها الحكومة.

 

سوق العمل السّعودي
 

 دراسة سوق العمل في السّعودية لا يمكن أن تكون مكتملة دون النّظر إلى السّياق التّاريخي الذي نتج عنه السّوق السّعودي الحالي، من حيث نوع اليد العاملة، وإنتاجيّتها، والتّداعيات الوطنيّة والإقليميّة عليها. فسوق العمل - في السّعودية بشكل خاص - ارتبطت قوّته ومخرجاته ونوع العمالة الوطنيّة والأجنبيّة فيه؛ بإيرادات النّفط واستمراريّة استخراجه.

 
تشير إحصاءات سوق العمل السّعودي إلى أن العمالة الوطنيّة في السّعودية كانت قليلة منذ سبعينيات القرن الماضي، ففتحت الحكومة السّعودية باب استقدام العمالة الأجنبية بشكلٍ كبير، وبالتّالي أصبح عدد السّعوديين العاملين في عام 1975م هو 71 ٪، وانخفضت هذه النّسبة لتصل إلى 40٪ في عام  1985م، أمّا في عام 1990م فقد أصبحت النسبة قرابة 33٪ لكنّها بعد صعود النّفط، بعد الألفية الجديدة، زادت نسبة اليد العاملة الوطنيّة لتصل إلى 40 ٪ في عام 2008م.  [13]


 إنّ هذه النّسب الإجماليّة تعكس واقعاً مختلفاً عن حقيقة العمل في السّعوديّة، والسّبب هو أنّ معظم الأيدي الوطنيّة العاملة تتّجه للعمل في القطاع العام، لذلك نجد أن نسبة العاملين السّعوديين فيه تصل إلى 92٪ بحسب الإحصاءات الرّسمية عام 2010م. وممّا يدفعها إلى ذلك عادةً هو ارتفاع الرّواتب، وقلّة ساعات العمل، والأمان الوظيفي. في المقابل، لا نجد ذلك الارتفاع في القطاع الخاص، فالعاملون السّعوديون لا يتجاوز عددهم 725 ألف، أي ما يقارب 10.4 ٪ من إجمالي القوى العاملة في القطاع الخاص[14]، وذلك يعود إلى أن كلفة العامل الوافد أقل بكثير من المواطنين، فبعض التّقارير الإحصائيّة الصّادرة في صحفٍ سعوديّة تشير إلى أن شركات القطاع الخاص توظّف وظيفة واحدة للسّعوديين، مقابل 13 وظيفة للعامل غير السّعودي، كما أن نظام ربّ العمل (أو ما يُعرف بالكفيل) يُمكّن ربّ العمل من استغلال العامل الوافد في زيادة ساعات العمل له، وعدم السّماح له بالسفر، وتُقيّد كثيراً من مصالحه التي ترتبط بموافقة ربّ عمله، وهنا إشارة إلى أن الدّولة أو الحكومةالمشرّعة للأنظمةتتحمّل جزءاً كبيراً من المسؤوليّة في رفع مستوى حقوق العامل الوافد، وإصلاح نظام ربّ العمل أو الكفيل.

 
ومن ناحيةٍ أخرى، يؤكّد ذلك ما أعلنه وزير العمل السعودي حول أرقام البطالة في السّعودية، ذاكراً أنّعدد العاطلين عن العمل بلغ مليوني شخص... 85 ٪ منهم من النساء“. هذه النسبة التي أعلنت للمتقدمين لبرنامج "حافز" (وهو برنامج وطني للباحثين عن عمل)؛ أظهرت واقعاً صادِماً عن ما كانت تُظهره الإحصاءات الرّسميّة. فهذا العدد هو ضعف العدد الذي بُنيت عليه خطّة التّنمية الخمسيّة التّاسعة (1010م - 2014م). إضافة إلى ذلك، فإنّ المتقدّمين لبرنامج "حافز" لا يشمل جميع الفئات العمريّة، فهو محصورٌ بالفئة العمرية ما بين 20 - 35 سنة، وهذا يعني أن منْ تجاوز هذا العمر فإنّه لم يُحسب ضمن المتقدّمين على البرنامج. ويُضاف إليهم، عدد الطّلاب الدّارسين في لجامعات السّعودية، وعددهم يقارب 900 ألف طالب وطالبة، وأكثر من 110 آلاف طالب مبتعث خارج السّعودية، ومعظم هؤلاء متوقّع دخولهم سوق العمل الحكومي أو الخاص خلال الخمس سنوات القادمة، ممّا يعني أنّنا بحاجةٍ إلى نحو 1.5 مليون وظيفة[15]..


 وبناءاً على ذلك، طرحت الدّولة السّعوديّة مشروعاً يسعى إلى "سعودة" الوظائف في القطاع الخاص. لا يهم في النظام ما الذي تشكّله الوظيفة من شروط ومطالب، من مرتّب أو مرتبتها في السّلم الوظيفي، لكن هذا المشروع - بالرغم من أنّه سعى لحلّ المشكلة - إلا أنّه لم ينطلق من حلّ أسباب المشكلة الأساسيّة، ولم يعبّر عن الآمال والطموحات. وهناك اتهامات بأنّ المشروع ولّد مشكلتين: أولهما أنه زاد من هدْر المال، وثانيها أنّ الشركات أصبح كلّ همّها أن تكمل نصابها من الموظّفين السّعوديين، من أجل ألا يتمّ تطبيق عقوبات اقتصادية أو اجرائيّة عليها[16].

 

التنمية والقطاع العقاري
 

 إنّ قضية التّنمية التي تشغل المواطن السّعودي، تنعكسُ أيضاً على قضايا السّكن والعقار، كما ترتبط هذه القضايا ارتباطاً مباشراً، وبأثر سريع، مع أيّ تغيّر اقتصادي، خصوصاً إذا كان مرتبطا بالتغيّر في دخل الفرد السّعودي، مثل زيادة الرّواتب أو المكرمات الملكيّة، إذ أنّ هناك اتهاماتٍ بأنّه سرعان ما يسعى تجّار العقار إلى رفع الأسعار، دون وجود أيّة حماية للمستهلك أو المُتضرّر من ذلك، ولا يقف هذا الأثر على مستوى الأسعار فقط، فالفساد حول العقار (الأراضي والمساكن) في السّوق السعوديّة؛ سبّب فجوة كبيرة بين أسعار الأراضي، وقدرة المواطن على التملّك، ويُقابل ذلك حجم الأراضي البيضاء الموجودة داخل المدن. ومثال ذلك ما تشكّله الأراضي البيضاء داخل مدينة الرياض، إذ بلغت نسبتها قرابة 77٪ من الأراضي، وبمساحةٍ إجماليّة تصل إلى 4150 كيلومتر مربع، وتُشكّل 60٪ منالكتلة العمرانيةفي المنطقة الشرقيّة، ولا يوجد أيّ رسوم ماليّة أو غرامات على تلك الأراضي، ممّا يُساعد التّجار على ربط أموالهم بأصول ثابتة، مثل الأراضي والعمل على تأجيل بيعها لأطول فترة ممكنة[17].


 إنّ حاجة المساكن في السعودية في تزايدٍ مستمر، فبحسب وزير الإسكان السّعودي فإنّ الاحتياج السكني يصل إلى قرابة 1.1 مليون وحدة سكنيّة، إضافة إلى أنّ المساكن الموجودة حاليّاً والتي يبلغ عددها 3 ملايين مسكن مشغول بعضها،غير لائق وليست منازل [18]وتشير التقديرات إلى أنّ أقل من نصف سكّان السّعودية يمتلكون سكنا خاصا بهم، وذلك بسبب انخفاض الدخّل لدى أولئك المواطنين[19]. أما غير السّعوديين، فمجموع مساكنهم يصل إلى 1.6 مليون مسكن، وحسب نظام التملّك لغير السعوديين؛ فإنه يجوز لهم أن يمتلكوا سكناً خاصاً بشرط موافقة وزارة الدًاخلية على ذلك، ويُستثنى من ذلك المناطق داخل حدود مدينتي مكة المكرمة والمدينة المنوّرة[20].


 لذلك، تسعى السّعودية لجعل حلّ مشكلة القطاع العقاري ذات أولوية لديها، استجابةً لحاجة شريحةٍ كبيرة من المواطنين، وفي هذا السياق ذكر وزير الإسكان أنّ الحكومة السّعوديّة تسعى حالياً إلى بناء 500 آلف وحدة سكنيّة، وأنّ المشاريع ماضية بنسبة 100٪ لكنه أشار إلى احتمال حصول تعثّر في بعض تلك المشاريع. كما صادق مجلس الوزارء على نظام الرهن العقاري بهدف توسيع قدرة المواطنين على امتلاك المساكن، والذي أزال التخوّف لدى بعض مؤسّسات التّمويل التي كانت تفرض معايير متحفّظة على المدين، إضافة إلى أنه سيُساهم في تسجيل العقار، والحدّ من إدّعاءات التملّك المتعدّدة لعقار واحد، لكن هذا النّظام لا يُتوقّع له أن يشهد استجابة فوريّة، بسبب الحاجة لاختبار النظام من قبل مؤسّسات الإقراض، كما أنّ الدائنين (مؤسسات التّمويل والبنوك) بحاجةٍ إلى معرفة قدرتهم على استرداد تمويلاتهم من خلال بيع العقار المرهون.

 

خاتمة: تجذر الخلل الانتاجي
 

 يستحوذ القطاع السّعودي على مكانة وأهمّية فريدة بين دول مجلس التعاون، نظراً لكونه الاقتصاد الأكبر حجماً وعدداً من  ناحية السّكان والقوى العاملة. إلاّ أن أهم المشاكل الاقتصاديّة تتشابه في المملكة مع باقي دول المجلس، على الرغم من تفاوت شكلها وحدّتها. فكما هو الحال في عُمان والبحرين؛ تبرزُ البطالة والخلل في سوق العمل بوصفه هاجساً رئيساً بدأ يطلّ برأسه الآن، بالإضافة إلى الفساد المستشري، والأزمة الإسكانيّة، والتي قد تكون أكثر حدّة من نظيراتها من دول المجلس. لكن تبقى الاعتماديّة شبه المطلقة على التقلّبات في سوق النّفط العالمي كمصدر رئيس للإيرادات العامة، في مقابل تزايد الإنفاقات الحكوميّة المعتمدة، وبشكل مطلق، على الإيرادات النفطيّة؛ يُبقي هذا الخلل الإنتاجي هو التّحدي الرئيس في المملكة. وعلى الرغم من نموّ بعض الصّناعات في المملكة، وبشكل أكثر إلفاتاً للنًظر من باقي دول الخليج، إلاّ أنّ هذه التحركات تبقى خجولة، و"قزمة"، عند مقارنة ذلك بحجم الاعتماديّة على النّفط والخلل الإنتاجي، ولا يوجد في الأفق ما يُبشّر بتغيّر هذه المعادلة، بل إنّ الزّيادات المؤخّرة في الإنفاق الحكومي تُنذر بتجذّر هذا الخلل، وزيادة الإدمان على الرّيع النّفطي، حالها كحال باقي دول المجلس.

 

لقراءة الجزء التالي من الاصدار                                                                  

لقراءة النسخة الكاملة من الاصدار (pdf) 

لتصفح محتويات الاصدار الكتروني



[1]  المصدر نفسه.

[2]  المصدر نفسه.

[3]   غلايدا لان وبول ستيفنز، "حرق النفط لتبريد الأجواء: أزمة الطاقة المستمرة في المملكة العربية السعودية CHATHAM HOUS ، ديسمبر 2012م.

[4]  الجزيرة نت، "النقد: السعودية تنفق أكثر مما ينبغي"، الثلاثاء ٧/٨/٢٠١٢م

[5]  عبدالعزيز الدخيل، مصدر سابق.

[6]  شبكة الشرق الأوسط وشمال افريقيا للخدمات المالية: http://www.menafn.com

[7]  عبدالعزيز الدخيل، "حقيقة الناتج المحلي الإجمالي للمملكة العربية السعودية"، صحيفة "الشرق"، تاريخ ٧ مايو ٢٠١٢

[8]  سلطان العامر، "اللامركزية والديمقراطية: محاولة تحديد أسباب كارثة جدة وإيجاد حلول لها"، مدونة الكاتب: http://www.sultan-alamer.com

[9]  المصدر نفسه.

[11]  خطاب من جمعية "حسم"، بعد حادثة غرق جدة، جمعية الحقوق المدنية والسياسية في السعودية.

[12]  إحصاءات وزارة المالية لعام ٢٠١١

[13]  سلطان العامر، "العامل المغيب في حل مشكلة البطالة"، صحيفة "الحياة"، بتاريخ ٢٥ ديسمبر ٢٠١٢

[14]  فادي العجاجي، "تقرير صحيفي حول نسب البطالة في السعودية"، صحيفة "الرياض"، عدد ١٦١٦٧، بتاريخ ٢٨ سبتمبر ٢٠١٢

[15]  المصدر نفسه.

[16]  عبدالعزيز الدخيل، "نظام السعودة والإصرار على الخطأ"، صيحفة "الشرق"، بتاريخ ٣ ديسمبر ٢٠١٢

[17]  مجموعة من المحللين الاقتصاديين، "فساد عقاري متعمد لرفع أسعار السوق"، صحيفة" اليوم"، بتاريخ ١٤ يناير ٢٠١١

[18]  تقرير صحفي، برنامج الثامنة، العربية نت، بتاريخ ٧ يناير ٢٠١٣م

[19]  تقرير صحفي حول: "قانون الرهن العقاري"، صحيفة الرياض، العدد: ١٦٠٨٢، بتاريخ ٥ يوليو ٢٠١٢

[20]  تقرير صحفي، برنامج الثامنة، مصدر سابق