مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

3.7

طباعة PDF



نظرة عامة على الاقتصاد: الغاز هو الأساس[1]


 ليس خافٍ على أحد، التغيّرات الهائلة التي طرأت على الاقتصاد القطري خلال العقد الأوّل من الألفية الثالثة، حين أصبحت  قطر أكبر مُصدِّر للغاز الطبيعي المُسال في العالم. وقد يكون اقتصاد قطر هو الأكثر جذبا للأنظار بين دول الخليج، بحسب الأرقام المُعلنة التي تمّ تسجيلها في نموّ الاقتصاد. مدفوعاً بالارتفاع في أسعار النفط والغاز مع بداية الألفية الثالثة؛ بدأ الاقتصاد القطري يشهدُ النّمو الاقتصادي ذا الرقمينDouble Digit Economic Growth ، لتمرّ بنفس مرحلة النمو التي مرّت بها دول الخليج الباقية سابقاً في سبعينات العصر الماضي مع الطّفرة النّفطية الأولى. فلقد بلغ النمو الحقيقي في عام 2006 حوالي[2] 26%، إلاّ أنّ هذا النمو ذو الرقمين بدأ في الانخفاض تدريجيّاً إلى أن وصل إلى 16.7% عام 2010 ثم 13.0% عام 2011، وأمّا في عام 2012 فقد شهد الناتج الإجمالي المحلي نموّاً يُقدّر ب6.3%، حيث بلغ الناتج المحلي الحقيقي 341 مليار ريال قطري لتكون هذه هي المرّة الأولى التي تعود فيها معدّلات النّمو إلى الرقم الواحد بعد عدد من السنوات[3]. وهذا الانخفاض كان متوقّعاً بحسب الخطّة الخمسيّة للتّنمية 2011-2016، والتي ذكرت أنّ معدّلات النّمو ستتراوح ما بين 7.1% و[4] 5.1%، وأعادت الخطة هذا الانخفاض إلى انخفاض مُعدّل مساهمة القطاع النفطي في النمو[5] . ويبين الجدول الآتي [6]الناتج الإجمالي المحلي ما بين 2010-2012 وما رافقه من معدّلات تضّخم. وبحسب الأرقام، فإنّ معدلات التّضخم العالية التي شهدها المستهلك في قطر لعدة سنوات؛ قد هبطت بشكل ملحوظ في السّنتين الأخيرتين، فنزلت من 15% عام 2008 الى -5% في 2009 و -2% في 2010.[7]

 

جدول 3.10: اهم ملامح الاقتصاد القطري 2010-2012

 من ناحية تركيبة الناتج المحلي، فقد بلغ الحجم النسبي لقطاع التّعدين واستغلال المحاجر نحو 43% من النّاتج المحلي الإجمالي القطري عام 2012، مقارنة بنحو 45% عام 2011. أمّا بالنسبة للقطاعات غير النّفطية فلا يزال القطاع المالي، التأمين والعقارات وقطاع الإنشاء والخدمات الحكوميّة؛ في الصّدارة، حيث مثّلوا نحو 33% من النّاتج المحلّي الإجمالي القطري عام 2012، مقارنة بنسبة مماثلة عام 2011، حيث إنّ الحجم المُطلق للقطاع ارتفع بنحو 9.7%، أي بمعدل مقارب لارتفاع حجم الناتج المحلي الإجمالي عام 2012م. يأتي بعد ذلك قطاع الصّناعات التّحويلية، والذي مثّل نحو 9% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2012، مقارنة بنسبة مماثلة عام 2011، بينما لا يزال قطاع النقل والاتصالات في المركز السّادس من حيث الحجم بين القطاعات غير النّفطيّة، وذلك بنحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2012، مقارنة بنسبة مماثلة عام 2011.


 وكما هو معلوم،  فإنّ هذه التغيّرات الاقتصاديّة مدفوعة أساساً بقطاع الغاز والنفط في قطر. فحسب صحيفة Oil & Gas Journal فإنّ كمّية الإحتياطي المُثبّتة من الغاز الطبيعي؛ تُقدّر بحوالي 15.2 بليون برميل، كما بلغت صادرات دولة قطر في عام 2009 حوالي 800ألف برميل يوميّاً من  النفط الخامCrude Oil  و في 2012 بلغ حجم الصادرات النّفطيّة 46% من إجمالي الصّادرات، بينما مثّل الغاز الطبيعي 37% من إجمالي الصّادرات. وتُقدّر احتياطات قطر من الغاز الطبيعي بحوالي 14% من الإحتياطي العالمي، وهو ما يضعها في المرتبة الثالثة عالميّا بعد روسيا وإيران. ويُعتبر حقل الشّمال هو أكبر حقول الغاز الطبيعي غير المرتبطةNon-associated  في العالم ،حيث يُشكّل حوالي 10% من إحتياطي العالم. وقد احتفلت حكومة قطر عام 2010 ببلوغ إنتاجيتها 77 مليون طن متري في السّنة من الغاز الطبيعي المسال LNG.

 وهذا التغيّر في استغلال قطر لما لديها من غاز طبيعي جعلها في العشر سنوات الأخيرة تنتقل من مجرّد مُساهِم في السّوق العالميّة للطاقة؛ إلى أكبر مُصدِّر للغاز المسال LNG بطاقةٍ إنتاجيّة قُدّرت ب 3.75 تريليون قدم مكعب سنويا في عام 2011. وجدير بالذكر أنّ هذه الطاقة الإنتاجيّة قد تضاعفت ثلاث مرات بين عامي 2001 و [8]2009 . وتُعدّ صناعة الغاز المسال LNG هي المُحرّك الأساسي للنّمو الاقتصادي في قطر اليوم، وأكبر الصّادرات القطريّة. كما تعتمد صادرات دولة قطر بشكل أساسي على المصادر الهيدروكربونية Upstream Production أو الصناعات التّحويّليّة المعتمدة عليهاDownstream Production. ويلخص الجدول الآتي[9] الصادرات القطرية في عام 2010:

 

جدول 3.11: الصادرات القطرية في عام 2011

 

  ويُبين الجدول الآتي نسبة مساهمة القطاع التعديني/الهيدروكربوني إلى القطاع غير التعديني/غير الهيدروكربوني في الناتج الإجمالي المحلي:

 

جدول 3.12: نسبة القطاعات التعدينية في الناتج المحلي القطري   2006-2011

المصدر: The Report Qatar 2012, Oxford Business Group

* تشمل الصناعات التحويلية التي تعتمد على المصادر الهيدروكربيونية Downstream Industries  مثل تحويل الغاز إلى سوائل GTL.

 

الميزانيّة العامة

 تشير بيانات الحساب الختامي لحكومة قطر للسّنة الماليّة 2012/2011 إلى ارتفاع في إيرادت الحكومة وكذلك مصروفاتها، إلا أن الإيرادات ارتفعت بنسبةٍ أكبر بلغت نحو 41%، لتصل لنحو 220 مليار ريال قطري، بينما ارتفعت المصروفات بنسبةٍ أقل بلغت نحو 16% لتبلغ نحو 166 مليار ريال قطري، ما يعني أنّ فائض الميزانيّة بلغ نحو 54 مليار ريال قطري، أي نحو 8.6% من الناتج المحلّي الإجمالي الإسمي لعام 2011، بارتفاع كبير بنحو 4 أضعاف عن الفائض في السنة المالية 2011/2010. وفي تفاصيل الإيرادات، فقد جاءت أغلبها من النّفط والغاز الطبيعي وذلك بنسبة 69%، مقارنة بنحو 62% في السنة الماليّة السّابقة، بارتفاع في حجم الإيرادات النفطية المطلق بنحو 58%. أمّا الباقي، فقد جاءت من استثمارات الحكومة ومصادر أخرى. ولا توفّر البيانات تفاصيل دقيقة عن هذه الإيرادات ونوعيّتها، مما يُثير التّساؤل حول مدى دقّتها وشفافيّتها.
 

 أما تفاصيل المصروفات، فكان النّصيب الأكبر منها لصالح بند نفقات أخرى جارية، والذي يشمل الإنفاق الاجتماعي ودعم السّلع، حيث حصل على نحو 39% من المصروفات للسنة المالية 2012/2011، مقارنة بنحو 38% للسنة الماليّة السّابقة، وبارتفاع مطلق بنحو 19%، بينما حلّ ثانياً بند النفقات الرّأسماليّة بنحو 30% من المصروفات، مقارنة بنسبة مماثلة للسّنة الماليّة 2011/2010، بارتفاع مطلق بنحو 13%.
 

من حيث تحليل مصروفات الميزانيّة على المستوى الاقتصادي، فإنّ الإنفاق الجاري للسنة الماليّة  2012/2011 مثل نحو 70% من إجمالي الإنفاق الحكومي، مقارنة بنسبة مماثلة للسنة المالية السابقة، وبارتفاع مطلق في حجم الإنفاق الجاري بنحو 18%، أما الإنفاق الرأسمالي قفد مثل نحو 30% من إجمالي الإنفاق الحكومي للسنة المالية 2012/2011، مقارنة بنسبة مماثلة للسنة المالية السابقة، وبارتفاع مطلق بنحو 13%.
 

 ورغم الإيرادات الهيدروكربونية العالية، إلا أنّ هناك قلقاً متزايداً من نسبة الدين العالية نسبيّاً لدى قطر، والتي بلغت 35% من إجمالي النّاتج المحلّي في عام 2012 بحسب إحصائيّات صندوق النّقد الدّولي[10]، وهي أعلى نسبة في الخليج بعد البحرين. وتعتبر نسبة الديون الخارجية مصدر قلق في قطر، وكانت قد بلغت 40%  من إجمالي الدين العام في 2011. وتشير بعض التّقارير إلى أن إجمالي الدّيون الخارجيّة القطريّة وصلت إلى 68 بليون دولار أمريكي في عام 2012، وإذا ما قدّرنا أنّ مواطني قطر حوالي 225 ألف مواطن[11]، فهذا يعني تواجد دين خارجي بمعدّل أكثر من 302 الف دولار أمريكي لكلّ مواطن قطري، ممّا يُثير القلق فعلاً من التّداعيات في حال انخفاض أسعار الغاز بشكل مفاجئ. [12]

 

خطط التنمية ومحاولات تنويع مصادر الدخل[13]


 وكما هو الحال في باقي دول الخليج؛ فهناك توجّه مُعلن من قبل الحكومة لتنويع الاقتصاد، كما تذكر خطط التنمية الصّادرة عن الأمانة العامة للتّخطيط والتنمية، ومنها إستراتيجية التنمية الوطنيّة 2011-2016. حيث تذكر هذه الخطة بوضوح أن ما نراه من فوائض في الميزانيّة الحكومية يتحوّل إلى عجز يبلغ 17% في حال أخرجنا دخل الطاقة الهيدروكربوينة من المُعادلة. وهو الدّخل الذي يُعادل 50% من الناتج الإجمالي المحلي GDP وأكثر من 70% من دخل الحكومة. ويُبيّن الجدول السابق أنّ مساهمة القطاع التعديني  في الناتج المحلي انخفضت عام 2009 لتعود وترتفع عامي 2010 و 2011 تزامناً مع ارتفاع أسعار الطاقة، مما يكشف أنّ المُحرّك الأساسي للاقتصاد القطري هو التغيّر في أسعار الطاقة والكميات المُصدّرة منها، وبلا منازع.
 

 وبحسب تقديرات صندوق النّقد الدّولي، فإنّه من المتوقّع نمو القطاع غير الهيدروكربوني بنسبة 10% حتى عام 2016. كما أنّ التحضيرات لاستضافة كأس العالم 2022 يُتوقّع أن تُساهم في نمو عددٍ من القطاعات، مثل قطاع التشييد والبناء والصّحة والتّعليم والمرافق الخدميّة والرّياضيّة[14]. وكما هو معلن في خطة التنمية 2011-2016؛ فإن قطر ستزيد من نسبة استثماراتها في المشاريع الأخرى في مقابل استثماراتها في مجال الطاقة، سعياً إلى أن يُسهم ذلك في تنويع الاقتصاد، إلاّ أنّ كلّ المؤشرات تُبيّن أنّ هذا القطاع هو الذي يُشكّل النّسبة الأكبر من الصّادرات، كما أنّه يُشكّل على الأقل 70% من دخل الحكومة. وكما هو معلوم، فإنّ دعم  كلّ هذه المشاريع سيظلّ معتمداً بشكل أساسي على مردود الغاز والبترول.  
 

 أمّا من ناحية الخيارات المطروحة في محاولة لتنويع مصادر دخل الحكومة؛ فهذه الفرضيّات لا تختلف كثيراً عمّا يتمّ تداوله في باب "الاحتماليّات" في باقي دول الخليج. ففرض الضّرائب يُعدّ واحداً من الخيارات المتاحة[15] وإن لم تُبدِ حكومة دولة قطر أية بادرة واضحة في هذا الاتجاه. ومنذ عام 2010 بدأت الحكومة بفرض ضريبة تجارية موحّدة Flat Rate بنسبة 10% على الشّركات، وقد كانت الضّريبة التّجاريّة قبل ذلك تصاعديّة، وتزيد على المتملّكين من غير المواطنين. أيّ أنّ هذه الضّريبة المُوحّدة جاءت في صالح المستثمر الخارجي Business-Friendly. ولكن الحكومة لا تفرض ضريبة القيمة المضافة VAT حتى الآن، والتي توقّعت بعض التقارير ألا تقل عن 5-7% في حال تطبيقها.
 

 وفي محاولة لتشفّي تركيبة الاقتصاد القطري، نستعرض فيما يلي أهم القطاعات الاقتصاديّة غير الهيدروكربونية في قطر.

 

قطاع البنوك والمال
 

 تزامناً مع التّصاعد المُطّرد في إيرادات الطاقة؛ شهد القطاع المصرفي نموّاً كبيراً في أصوله، والتي نمت بمقدار 22.1% عام 2011 كما يذكر البنك المركزي. وعلى الرغم من صغر قاعدة العملاء، إلاّ أنّ هناك 16 بنكاُ عاملاً في قطر، ويُعتبر بنك قطر الوطني أكبرها على الإطلاق من حيث استحواذه على 45.5% من الأصول البنكيّة في السّوق القطرية لعام 2011. وقد نمت عمليّات الإقراض لقطاعي العقارات والبناء، والذي يُشكل القطاع التجاري الأكبر من ناحية القروض، حيث زاد الإقراض للقطاع العقاري من 2.9 بليون دولار في 2006 إلى 21.4 بليون دولار في أبريل 2012. وأما إقراض قطاع البناء فقد زاد من 1.5 بليون دولار في 2006 إلى 4.4 بليون دولار في نفس الفترة.
 

 ومن أهم التوجّهات البارزة في السّياسات البنكيّة والماليّة، هو الاتجاه إلى ما يُعرف بالنّظام المالي الإسلامي، وقد بدا ذلك جلّيّاً في قرار البنك المركزي بإغلاق النوافذ الإسلاميّة في البنوك التقليديّة، وحصْر المعاملات الماليّة الخاضعة للشّريعة في البنوك الإسلاميّة، مما يبدو أنه يصبّ في صالح تنمية البنوك الإسلاميّة الناشطة في السّوق القطرية، وهي: بنك قطر الإسلامي، والبنك الدّولي الإسلامي، ومصرف الريان، وبنك بروة. ويُعدّ بنك قطر الإسلامي أكبرهم من حيث حصّة الأرباح. هذا بالإضافة إلى التوسّع في إصدار الصّكوك الإسلاميّة، ونشر المبادرات المختلفة على المستوى المالي والأكاديمي، مثل مؤتمر الدّوحة للمال الإسلامي، والذي شهد العام 2012 نسخته الثالثة[16]، أو تأسيس أوّل مركز متخصّص للتّدريب والاستشارات الماليّة الإسلاميّة، وهو بيت المشورة[17].  


 والمتّتبع للأمور، يُلاحظ تشابه توجّهات بعض دول الخليج، بما فيها البحرين ودبي والكويت، إلى محاولة الاستحواذ على السّوق المصرفي في المنطقة، وأن تُصبح مركزاً ماليّاً Financial Centre، ممّا يبعث للتساؤل حول سبب تشابه الإستراتيجيّات والمنافسة فيما بين دول ومدن اقتصادية من المفترض أن تكون مُكمّلة لبعضها البعض. وتتكرّر هذه الظاهرة في القطاع السّياحي والعقاري والألمنيوم وغيرها.

 

جدول 3.13: الاصول المصرفية في البنوك القطرية في عامي 2011 و2012

المصدر: البنك المركزي القطري

 

 من ناحيةٍ أخرى، فلا زال جهاز قطر للاستثمار، والذي تأسّس عام 2005م، يُسجّل استحواذات وصفقات شراء جديدة في أنحاء مختلفة من العالم. وقد تأسّس هذا الجهاز تحت الهدف المعلن عن استثمار فوائض النّفط والغاز وتنويع قاعدة الدّخل. ويسود الجهاز، مثل غيره من الصّناديق السّيادية في المنطقة، الكثير من الغموض وعدم الشّفافية، حيث يُعتبر سرّاً من أسرار الدّولة.  ورغم صعوبة الحصول على أية معلومات دقيقة عن حجم استثمارات هذا الجهاز، وما يملكه من أصول؛ إلاّ أن معهد صندوق الثروة السّياديّة Sovereign Wealth Fund Institute  قدّر أصول جهاز قطر للاستثمار ب 85 بليون دولار. ومن استحواذات الجهاز في الفترة الأخيرة محلات هارودز الشّهيرة في لندن، ونادي سان جيرمان في فرنسا، بالإضافة إلى نسبة من بنك باركليز، وعملاق الطاقة الإسباني آيبدرولا Iberdrola.
 

 

قطاع السياحة[18]


 تشير الإحصائيات إلى أنّ قطاع الفنادق والمطاعم نما بمعدل 7.2% عام 2011 مقارنة بعام 2010. إلا أنّ جزءاً كبيراً من هذا التّوسّع (حوالي 95%) جاء استجابة للمؤتمرات ولقاءات العمل التي تستضيفها دولة قطر، في حين أنّ الهيئة العامة للسّياحة تسعى لزيادة نسبة السّياح الذين يأتون للمتعة وقضاء الإجازة بنسبة 30%. ولتحقيق خطط هيئة السياحة؛ فإن السّعة الاستيعابية السّكنية لابدّ أن تصل إلى 29000 غرفة فندقية وشقة، مما يستوجب استثمارات تُقدّر ب 17 بليون دولار لتطوير البنيّة التّحتية للسّياحة. ومن الجدير بالذكر أن مشروع لؤلؤة قطر[19] هو المشروع الذي يؤمل أن يكون نقلة نوعيّة في هذا المجال، إذ يمتدّ المشروع على ساحل الخليج بمساحة تُقدّر ب35 كيلومتر، ويضمّ مساكن ومطاعم ومتاجر تتميّز بالفخامة. ومن المتوقّع أن يمثّل مشروع مدينة الوسيل[20] نقلة أخرى مقاربة لمشروع لؤلؤة قطر، إلا أنّ تبعات المشروعين على الخلل السكاني المتفاقم في قطر، في مقابل إمكانيّة انتهائهما إلى مشاريع فيلة بيضاء فاشلة؛ يُثير بعض التساؤلات حول الجدوى التّنمويّة لهذه المشاريع، والتي يتناولها هذا العمل في الجزء المتعلق بالخلل السّكاني.

 

مشاريع البنية التّحتيّة والنقل
 

 تستثمر قطر حاليّاً مليارات الدّولارات لتطوير بنيتها التّحتيّة، ويُلخص الجدول التالي بعض أهم هذه المشاريع[21]:

 

جدول 3.14: اهم مشاريع البنية التحتية تحت الإنشاء في قطر

 

 ومن المتوقّع أن يُفتتح خلال هذه الفترة من شهر أبريل;ومن المتوقّع أن يُفتتح خلال هذه الفترة من شهر أبريل 2013 مطار الدّوحة الجديد بعد أن تغيّر اسمه إلى مطار حمد الدّولي. وتُعتبر هذه هي المرحلة الأولى من المشروع الذي يُتوقع أن تبلغ طاقته الاستيعابيّة 50 مليون مسافر. وجدير بالذكر أنّ كثيراً من التقديرات الواردة في الجدول حول تكاليف المشاريع هي توقعّات أوّليّة، قد لا تعكس التّكاليف الحقيقيّة على أرض الواقع. ولنأخد المطار الجديد مثالاً لا حصراً، فالجدول الموجود أعلاه والصادر بتاريخ أكتوبر 2011 يذكر أن تكلفة المطار تُقدّر ب 10 مليار دولار[22]، في حين أنّ الصّحف المحلّية أعلنت في نفس الفترة تقريباً أن التكلفة بلغت 15 مليار دولار. [23]والحقيقة أنّ حالة مطار حمد الدولي حالة تستحقّ التّوقف عندها، من حيث تكرار تغيّر الميزانية، وتكرار تأجيل الانتهاء من المشروع، عاماً بعد عام[24]. وفي سياق الحديث عن الغموض ومشاريع النّقل الجوي؛ فإنّ الخطوط القطرية تظلّ واحدة من أبرز المؤسّسات القطريّة العابرة للقارات، إنّ صحّ التعبير، والتي استطاعت المنافسة عالميّاً، إلا أنّ ميزانية هذه الشركة وأرباحها وخسائرها تظلّ من الأسرار غير المُتاحة للمحلّلين والمراقبين الاقتصاديين.

 
أمّا على مستوى التحضيرات لاستضافة كأس العالم 2022، فمن المتوقّع أن تُكلّف استثمارات البنيّة التّحتيّة حوالي  55 بليون دولار، في حين قد تبلغ التّكلفة الكلية الحقيقيّة لاستضافة كأس العالم ما بين 65-100 بليون دولار، كما يتوقّع بعض المحللين[25]. ويتساءل البعض عن جدوى صرف هذا الكمّ الهائل من الأموال على حدث رياضي (ما يعادل 250 -500 الف دولار أمريكي لكلّ مواطن) في دولةٍ لا يتعدّى عدد مواطنيها 250 الف نسمة، إلا أنّ هناك الكثيرين الذين يتطلّعون بلهفةٍ إلى استضافة حدثٍ رياضي "سيضع قطر على الخارطة العالمية" على حدّ تعبيرهم.

 

الاقتصاد المعرفي والبحث العلمي
 

 من المعروف أنّ القطاعات التي تمّ سردها سابقاً تعتمدُ بشكلٍ مباشر أو غير مباشر على إعادة تدوير الإيرادات النّفطيّة، وهي بذلك تُعتبر قطاعات طفيليّة لا تقلّل بل قد تزيد من الاعتماديّة على الإيرادات النّفطية. لكن ربما لا يجد المُتابع كلمة تتردّد على لسان المسؤولين في دولة قطر، وكذلك في التّقارير والصّحف، مثلما تتردد كلمة "الاقتصاد المعرفي"، وهو الخيار الذي أكّدت عليه رؤية قطر 2030 من خلال التأكيد على أن استمراريّة التّنمية لا يمكن أن تعتمد على مصادر ناضبة، وأنه لابد من التهيؤ لمرحلة ما بعد النفط والغاز. وكما ترى الرّؤية؛ فإنّ رأس المال البشري هو العمود الفقري لأي اقتصاد معرفي، وتنميته تُعتبر واحدة من أركان أربعة تقوم عليها رؤية قطر 2030.


 وقد انعكس هذا الاتجاه على التّعليم الأساسي والجامعي، لا سيما مع تأسيس المدينة التّعليمية القائمة على مساحة 14 كيلومتر مربع والتي تضمّ 8 فروع لأشهر الجامعات الأمريكيّة والبريطانيّة والفرنسيّة. وقد  قفزت ميزانية التّعليم عام 2012 لتصبح 5.2 بليون دولار، مُشكّلة 12% من الميزانية العامة للدولة.


 وتعتبر مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع المُحرّك الأساسي ليس للتعليم الجامعي فحسب؛ بل للبحث العلمي كذلك. من ضمن مبادرات المؤسسة صندوق قطر لدعم البحث العلمي، وقد أنفق هذا الصندوق منذ تأسيسه عام 2006 حوالي 500 مليون دولار[26]. أمّا واحة قطر للعلوم والتكنولوجيا فهو مشروع يُقدّر ب 300 مليون دولار، ويهدف إلى توفير مساحة حرّة للشّركات وأصحاب المبادرات Entrepreneurs لتحويل أفكارهم وبحوثهم إلى مشروعات تجاريّة، فيما يشبه فكرة Silicon Valley  في الولايات المتحدة. ومن ضمن المتواجدين في هذه الواحة شركة ميكروسوفت وسيسكو وتوتال وجي إي.


كذلك يتبع مؤسسةَ قطر (معهدُ قطر للبحوث) الذي يضمّ تحته عدداً من المعاهد في البحوث الحيوية ومجالات البيئة والطاقة والحوسبة. أما مستشفى ومركز سدرة للعلوم الطبية والبحوث؛ فالمُخطّط له أن يكون من أهم المراكز الطبّية البحثيّة في المنطقة، والتي تُوفّر الخدمات الطبّية للمجتمع من خلال المستشفى الذي تضمّه. من المتوقع افتتاح سدرة بنهاية 2013 ليضم مبدئيّاً 2500 موظف[27]


 إلا أنه وحتى اليوم؛ لم تصدر عن هذه المبادرة مشروعات أو منتجات يمكن أن تنافس تجاريّاً. كما وتُثار التساؤلات حول جدوى وفاعلية هذه المشاريع في ظلّ المبالغ الهائلة التي تُصرف عليها، في مقابل الأعداد القليلة نسبيّاً من الطلبة والباحثين والموظّفين القطريين أو حتّى العرب الذين يعملون أو يدرسون في هذه المؤسّسات والجامعات. فمن بين ثمان جامعات متواجدة في المدينة في عام 2011، لم تتواجد سوى كلّية واحدة غير أجنبية، والتي تُقدّم برنامج ماجستير واحد  مسائي فقط في الدّراسات الإسلاميّة. وكلّ هذه الجامعات، بجانب اعتماد اللّغة الانجليزية لغةً رئيسية للتدريس؛ تعتبر مستقلّة كلّياً عن الدّولة ومعاييرها، فهي تضع قوانينها ومشاريعها وموظفيها من دون أي حاجة لإدماج الطلبة أو العمال المحليين، بينما تحصل في المقابل على دعم هائل من الدّولة. والمردود على القطريين من هذه الجامعات نسبة إلى الأموال المنفقة؛ هي محطّ تساؤل كبير. ففي العام الأكاديمي 2007-2008، كان عدد الطلبة المسجّلين في جامعات المدينة التعليمية 1124 طالبا فقط، 51٪ منهم من القطريين[28].

 

خاتمة: التقلبات في الاقتصاد النفطي
 

 إجمالا، بإمكاننا تصنيف القطاعات التي سبق ذكرها تحت القطاعات الطفيليّة المعتمدة أساسا على تدوير إيرادات النفط، حالها حال باقي دول مجلس التعاون. وكلّ هذه القطاعات شهدت نموّاً مطّرداً بالتّزامن مع النّمو المُطّرد في قطاع الطاقة. بالتالي، قد يكون أدقّ وصف للاقتصاد القطري هو التقلّبات أو التغيّرات الاقتصادية، مدفوعاً بالتقلّبات أو التغيّرات في السّوق العالمي للطاقة، وهذا الوصف ينطبقُ بالطبع على كلّ دول الخليج، ولكنه قد يكون أكثر وضوحاً في قطر، حيث تبيّن الأقسام السابقة اعتماد الاقتصاد بشكلٍ شبه كلي إمّا على قطاع الطاقة أو على الإنفاقات المُحصّلة من هذا القطاع.

 
والمتّتبع يُلاحظ أنّ الرّؤى والإستراتيجيّات المرسومة في قطر، على رغم بعض الفروقات في التفاصيل، هي تتشابه مع ما رُسمَ في باقي دول الخليج على مدى السّنوات العشر الماضية. وتتلخّص هذه الرّؤى في الأمل بأن يُصرف الدّخل الهيدروكربوني في تنمية قطاعات أخرى تؤدّي في النّهاية إلى تنويع مصادر الدّخل، والانتقال إلى اقتصاد لا يعتمد على الثّروة النفطيّة تدريجيّاً. ولكن، لا يوجد حالياً ما يُبشّر بأن قطر ستُثتنى ممّا هو الحال في باقي دول الخليج، وأنّها ستنجح في تنويع مصادر دخلها بعيداً عن النفط. فكما تشير التجارب في باقي الدول النفطية، فإنه نادراً - إنْ لم يكن من المستحيل - تقليل الاعتماديّة على النّفط عن طريق زيادة النّفقات المترتبة من إيرادات النّفط. ويمكن الإحالة مجدّداً إلى المثال الوحيد النّاجح، وهي النّرويج، حيث فصلت القطاع النّفطي عن باقي الاقتصاد، وفصل إيرادات النّفط عن النّفقات الجارية، وصبّها أساسا في اسثمارات سياديّة وصناديق أجيال واستثمارات بعيدة المدى، وهو عكس ما يحصل في قطر أو باقي دول المجلس.

 وقد تكون التّغيّرات الاجتماعيّة المُصاحبة للتغيّرات الاقتصاديّة، خاصة على المستوى الدّيمغرافي، خيرَ دليل على تعمّق الخلل الاقتصادي في قطر وتضخّمه بشكل مُطّرد. فكما كانت التغيرات الاقتصادية عميقة، فقد شهدت دولة قطر تغيّرات ديمغرافية مُطّردة، مدفوعة بشكل أساسي بالتغيّرات الاقتصادية والخطط "التنموية". ويشير المسح السّكاني الأخير، والمنشور من قبل جهاز قطر للإحصاء، أنّ عدد السكان في قطر في تاريخ 30 ديسمبر 2011 بلغ 1.8 مليون شخص، وهو ما يقارب ضعف عدد السّكان في عام 2001. ويُشكل الذكور حوالي 75% من عدد السكان. كما يشكل الوافدون حوالي 94.2% من القوى العاملة في قطر، وسيُناقش قسم الخلل السكاني من هذا العمل هذه الظّاهرة بتفصيل أكثر.

 

لقراءة الجزء التالي من الاصدار                                                                  

لقراءة النسخة الكاملة من الاصدار (pdf) 

لتصفح محتويات الاصدار الكتروني

 


[1]  المعلومات الواردة في هذا القسم مأخوذة عن: The Report Qatar 2012, Oxford Business Group

[2]  معظم المعلومات الواردة في هذا القسم مستقاة من Qatar Economic Statistics at Glance

http://www.qsa.gov.qa/eng/publication/economic_publication/2012/Qatar%20Economic%20Statistics%20at%20Glance.pdf

[4]  لطالما صرح إبراهيم الإبراهيم المستشار الاقتصادي لأمير دولة قطر أن النمو ذا الرقمين لا يُعد علامة صحة للاقتصاد، حيث إنه يفتقد للديمومة والاستمرارية Sustainability لاسيما أنه مرتبط بتقلبات أسعار الطاقة،  ويبدو أن توجّه الحكومة عموما للحدّ من هذا النوع من النموهو انعكاس لوجهة النظر هذه.

[7]  زيارة الموقع بتاريخ 30مارس  2013 http://www.indexmundi.com/qatar/inflation_rate_%28consumer_prices%29.html

[8]  المعلومات الواردة مأخوذة عن: The Report Qatar 2012, Oxford Business Group

Qatar Economic Statistics at Glance[9]Qatar Economic Statistics at Glance

[11]  لا توجد إحصاءات رسميّة حول عدد مواطني قطر، والذي يعتبر سرّاً من أسرار الدّولة. للمزيد انظر قسم الخلل السكاني

[12] http://www.arabianmoney.net/islamic-finance/2012/07/06/qatars-68bn-foreign-debt-leaves-its-banks-in-a-similar-position-to-dubai-before-the-2008-crisis/

[13]  المعلومات الواردة في هذا القسم مأخوذة عن: The Report Qatar 2012, Oxford Business Group

[14]  كل هذه المشاريع تعني زيادة في نسبة القوى العاملة، ممّا يعني زيادة الطلب على القطاعات الخدميّة والتّعليم.

[16]  زيارة الموقع بتاريخ 30مارس  2013 http://ifcdoha.com/ifc/more.aspx?ID=36&type=3&name=no

[17]  لمزيد من المعلومات يمكن زيارة موقع بيت المشورة:  http://www.b-mashura.com/cmsPage.aspx?pID=4

[18]  معظم المعلومات الواردة مأخوذة عن: The Report Qatar 2012, Oxford Business Group

[19]  لمزيد من المعلومات يمكن زيارة موقع مشروع لؤلؤة قطر http://www.thepearlqatar.com/main.aspx

[20]  لمزيد من العلومات يمكن زيارة مشروع مدينة الوسيل http://www.lusail.com/Arabic/the_vision/Pages/The-city-today.aspx

[22]  التقرير الصادر عن Oxford Group  ذكر أن التكلفة تقدر ب11بليون دولار

[23]  زيارة الموقع بتاريخ 30مارس  2013  http://www.alarab.qa/details.php?issueId=1395&artid=154087

[24]  نرجو الرجوع إلى مقال محمد هلال الخليفي والمنشور في مركز الخليج لدراسات التنمية:

https://www.gulfpolicies.com/index.php?option=com_content&view=article&id=1132%3A2012-08-12-12-59-50&catid=147%3A2011-04-09-07-47-31&Itemid=384

[26]  أثار نشر هذا المبلغ الضخم الكثير من الأسئلة بين أوساط المجتمع المحلي عن مدى جدوى مثل هذا الإنفاق، وهل يعود ذلك بالنفع حقيقة على المجتمع.

[27]  زيارة الموقع بتاريخ 30مارس  2013 http://www.alarab.qa/details.php?issueId=1849&artid=224002

[28]  محمد دفع الله، "ثلاث مدارس أجنبية جديدة.. ومصاريف الدراسة مخفضة عشرون بالمائةجريدة الوطن، 16 نوفمبر 2008