حديث عن التجربة النضالية العمالية في السعودية (5/5) - سلطان الجميري

طباعة







إلى النهاية .. وأبطال بذاكرتي كرام ..ولكن ضاق في قلمي مرادي ..!

مهما كتبت فسأعجز عن الاستمرار .. ليس لأن تأريخنا ممل.. ولا لأن قصص المناضلين طويلة .. لكن لأن عشرات السنين ينبغي أن يتصدى لها مؤرخون ..

سأبقى عاجزا لأن كاتب المقالات، المتوتر .. المدون ..مهما فعل .. سيظل ينقر في الخشب .. لكنه التذكير .. فحسب ،، كي لا ننساهم ،،

كنت أحسب أن بوسعي أن أنتهي منهم في بعض السطور.. وفي جلسة واحدة ، لكنها طالت .. ولا أريد أن أطيل أكثر ..

أنا مثلكم أمل .. حين ينشغل "التايم لاين" .. بحديث واحد .. في موضوع واحد .. بشكل مستمر \، لذلك يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق ..

كنت أكتب..وأشرب الملح .. أظنه ماء..فلا أنا ارتويت ..ولا أنا شفيت .. وسنظل كلنا عطشى للحقيقة.. لأننا نحاول أن نقول: التأريخ يكتبه المهمشون.

أريد الآن أن أستأذن المناضل محمد الربيع .. الذي لفظ أنفاسه في السجن .. ينادي أصحابه السجان .. أبو سعد تكفى الربيع مريض، نرجوك الطبيب ..تكفى..

فيأتيهم الرد "الموت من عند الله وإحنا ما جبناكم في ذا لعب" ..! لو والله ما كان "لعبا".. ومن يلعب معكم أنتم!

كان مريضا .. يحمله علي يديه أحد رفاقه .. وهو يبتسم .. يقول له "سلم على ناصر".. يقصد ناصر السعيد! ويلفظ روحه الطاهرة ..

إذا كان لا يمكن أن تصف ذلك الحزن الذي خيم على رفاقه في السجن .. وهم يرونه يودعهم ،، فماذا تقول عن أخيه حسن؟

حين أفرج عن بقية المعتقلين كان ينتظر خارج بوابة السجن ..يرى رفاقه يخرجون واحد تلو الآخر ..وهو يعدهم .. ويتفحص الوجوه .. يخرجون إلى آخرهم ..

وهو واقف .. يخرج الآن محمد .. يخرج الآن محمد .. ولا يخرج أحد، ويغلق السجن أبوابه ..! صوت مزلاجه شهادة "الوفاة" ..

خاوي اليدين .. يعود إلى أهله .. الذين أضناهم الشوق .. يعود لهم بالبكاء .. وهناك يتجمد في ذاكرتهم كل شيء .. يا لوعة الأهل ..! وداعاً محمد..

أريد كذلك أن أستأذن مصطفى وهبة ..الذكي، الذي فهم مغزى إبعاد "عبدالعزيز المعمر" عن مركزه مستشارا للمك سعود ..! كان يقرأ ما بين سطور السياسة.

وحاول أن يقنع الطريقي وطلال .. بأن هناك من يريد تمزيق فريقكم.. لكن باءت محاولته بالفشل .. وفي النهاية .. صدق حدسه ،، ولكن بعد فوات الأوان..

وتحدث عن النفط وما قبله وبعده ..عن الحركة العمالية وشخصياتها .. وأحداث تاريخية هامة ،، وفاه الأجل عام 2002 .. وداعا ،،

أريد أن أستأذن الوطني الشريف السيد علي العوامي .. حين تشجع، وقرر في لحظة تأريخية قبل وفاته، أن يدون هذه السيرة النضالية .. في كتابين ..

أريد أن أستأذن عبدالله هاشم ..علي العبدالي..إبراهيم الفرج ..عبدالله الغانم ..عمر وزنة..عبدالله صفيان ..! وداعاً بحجم نضالكم .. بحجم نسيانكم..

سيبقى الشعب في عيوننا كما كان في عيونكم .. نقتبس من نور تضحياتكم .. نحن مثلكم لنا أحلام ليس لها حدود .. أولها وآخرها الوطن الذي نستحق، لم يكن لديكم شيء تخسرونه سوى القيد والخيمة .. نحن مثلكم .. وحده القيد نخسره ،، وهذه الخسارة عين الربح ..

كلما نسيت أحد ذكرونا .. عبدالله الخليفة .. خالد النزهة..! كل من نسيته .. آسف قبل وبعد.. ذاكرتنا مملوءة بمن لا يستحق ونحتاج وقتا لإفراغها..

قد تقف وتسألني ألف سؤال عن هؤلاء .. وتفسر ما أريد كما تشاء .. وأستطيع أن أختصر كل حديثي بإجابة واحدة .. إنه تأريخ هذه الأرض ولن نتنصل منه ..

كان أقسى سؤال في الأيام الماضية: لماذا تلمع الشيوعيين السعوديين؟ سؤال يشبه التهمة .. حاد كالسيف،، يشعرك بالخيبة ..

إيه يا يوعية، كم من الجرائم اقترفت باسمك ..،، تهمة الماضي العتيق .. ولكل زمان تهمته الخاصة .. وجيوش من القمع جاهزة ..وناس طيبة تصدق كل شيء..

إنهم شيوعيون .. قالها لي ..! هكذا حقبة كاملة، توضع في سلة واحدة .. لاستخدامنا سلاحا ضدها .. وضد تذكرها ..!

انجذب بضعهم لصوت الفقراء والكادحين في فكرة الشيوعية .. لكن أكثرهم لم يكن يتشرب انحرافاتها ..! نحن نتحدث عن الآلاف .. لم يكونوا أرقاما..

ألا يكفيكم أن تصدقوا عشرات الرسائل المحفوظة إلى الآن، أرسلت للإفتاء والأشياخ يعلنون أنهم مسلمون موحدون .. يصلون ويصومون يحجون ..

قد كانت نغمة نضالية ..فقط، وكانت الصوت المرتفع..فمالوا إليها..إلى ما تدعو إليه فيما يخص حقوقهم.. في حين لم يكن يقف مع حقوقهم غير ذلك الصوت!

نعم صحيح .. لا ينكر أحد، أن هناك من تشرب الشيوعية إلى النخاع .. هذا يعلنونه هم، ولا يتبرأون منه.. لكنها ليست كل الحكاية ،،

لم يكن إيمانهم بها هو الوحيد الدافع لقمعهم خوفا على الدين .. لولا أنهم طالبوا بحقوق العمال .. وتحركوا في طريق قدما نحو الإصلاح..

تحركوا نحو المطالبات السياسية ووضع دستور للبلاد والحد من التصرف بالمال العام والمطالبة بالعدالة الاجتماعية! لذا كم من الشيوعيين عندنا اليوم..

شكرا لكم أيها القامعون اليوم .. وغدا .. خفتم على الناس أن يحفظ الناس "البيان الشيوعي" و"رأس المال" لماركس، ومنعتم أن يدرس أولادنا "الثنائية في الطبيعة" لفردريك، ووقفتم ضد أن تصف في مكتبات المساجد "المؤلفات الكبرى" للينين! أيها القامعون شكرا..

كل هذا يحدث .. ويصور لك ..لكي تصدقه .. يراد لك أن تبقى خائفاً .. محتاجاً .. لتبقي جنديا مخلصا في معركتهم ..

من يتخطاهم اليوم عمداً ..يسير على خطى سلفه الذين كانوا يتخطون هموم الناس .. ولا يبالون بها ..وحين أريد لهم أن يساهموا في القمع ..لبوا النداء..

لابد أن تعرف أن التأريخ الذي قرأته عنهم .. هو التأريخ الذي أريد لك أن تقرأ .. والفكرة التي تشربتها عنهم هي الفكرة التي تم تجهيزها لك.

لماذا تسمح لهم أن يتولى صياغة تصوراتك عن الناس ..؟ ..

هم نفسهم يريدون أن يقولوا لأجيالنا ومن بعدنا..أن من يقف مع الناس اليوم لأجل الإصلاح.. والعدالة .. أنهم خوارج ومثيري فتن ..ومعطلي التنمية!

تخيل ..

يأتي من يكتب بعد سنوات عن عبدالله الحامد والقحطاني ومحمد البجادي وغيرهم ..ويعترض عليه أحد بأنه يكتب عن مثيري البلبلة معطلي التنمية؟

مضحك اليوم هذا التصور الآن .. لكنه قابل للتشكل غدا ..! وإذا أريد للأجيال أن تتشرب هذه الفكرة .. وعٌبئت الآلة الإعلامية لهذا الغرض .. قد يتم..

هؤلاء قمعوا وسجنوا لأنهم ضد "القوي"..وفي صف "الضعيف"، فكان يجب أن نفهم أنهم كافرون..مارقون من الدين ..! وكاد البلد أن يتمزق في عصرهم.

أريد لنا أن نتغاضى عن ظلمهم وسجنهم ونفيهم .. لأنهم "شيوعيون" ..! ما علاقة الظلم بالدين والمذهب والأفكار ..

إنه تاريخنا .. وجزء من ذاكرتنا .. ولا نستطيع أن نلغي جزء من الذاكرة إلا باحتلال العقل .. والإنسان الشريف دوماً يقاوم المحتل!

حينما انتحر الروائي الياباني "يوكيمو ميشيما" احتجاجاً على التدخل الأجنبي في بلده .. أهداه الشاعر العراقي قاسم العبودي قصيدة ..

أنا أيضا أهديها لرجال الذاكرة وأستأذنه في التصرف فيها:

"في مكان تهدر الأمواج فيه .. ويناعي حزنها همساً لكل العاشقين .. وزمان هو في عمر المدى كل زمان ..وكتاب هو في أفق الرؤى كل الكتب!

بحث العاشق عن محبوبه …أسفا قال على كل السطور .. كيف تمحوني؟ وتمحو الذكريات ..؟؟

هات عينيك هات .. دمع مقتول تمنى قاتلوه ..كرة أخرى لقتل مدخر! يا صديقي "ظلم قومي" بعض جرح من جراحات كثيرة .. وهي بعض جرح من جراحي ..!

كل شبر في الخرائط هو شبر في بلادي .. توقد النيران فيه من دمي .. وتجليني مناراً للبشر ..!

أبداً لن أنطفئ يا صديقي .. جرحك الناطق هذا لا فمي .. أنا أدري أنك الآن ستسلو العيش إن طال مداك .. وتواري الجرح بالموت لتحيا ..

غير أني يا صديقي ..

سوف أبقى حاملاً جرح الحقيقة" ،،



_________
المصدر: مجلة العصر
25 فبراير 2013





 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها