الفساد والتنمية - جاسم خالد السعدون

طباعة


أولاً - مقدمة
في تعريف بسيط إلى حدود الإخلال، يقارن الفساد بالضريبة، أي أنه إضافة إلى تكلفة بناء مشروع أو إنجاز عمل، وكلما ارتفع ذلك الاقتطاع، تحول البلد المعني به إلى درجات أدنى من القدرة التنافسية إلى حدود تحوله إلى بيئة طاردة للأعمال. ولكن، رغم أن البيئة المثقلة بالضرائب طاردة، إلا أن الفرق يظل شاسعاً بين تكلفة الضريبة وتكلفة الفساد، فالضريبة تذهب إلى خزينة الدولة وتستخدم في تمويل أغراضها، والضريبة اقتطاع معلن ومعلوم سلفاً وفوق الطاولة ويمكن حسابها، والضريبة يمكن تعديلها بقانون أو قرار، والضريبة لقاء التزام متفق عليه. بينما الفساد تكلفة ضائعة على الدولة، ولا يقابلها التزام معلن، وحصيلتها متسربة في الغالب الأعم للمساهمة في بناء اقتصادات أخرى أو ما يسمى بغسيل الأموال. والفساد مرض قاتل وشديد الانتشار ويعتمد في انتشاره على واحدة من أهم غرائز الإنسان، وهي الجشع بكل أشكاله، مثل جشع المال أو السيطرة والسلطة، والفساد يدمر منظومة القيم الإيجابية في المجتمع.

بينما التنمية تعتمد على تعزيز منظومة القيم الإيجابية لدى الإنسان، والتنمية تتطلب شفافية عالية لمسارها، والتنمية حتى تصبح مستدامة تتطلب أن توزع منافعها بعدالة بين كل فئات جيلها وبين جيلها والأجيال اللاحقة. والتنمية تتطلب وعياً بضرورة الإبقاء على تنافسية الاقتصاد عالية، وذلك يعني الارتباط الوثيق بين جهد العامل ومكافأته، ويعني التوازن بين المخاطر التي يتحملها رأس المال والعائد على الاستثمار، ويعني الحد من تضخم أسعار عوامل الإنتاج الأخرى. والتنمية باختصار، هي صناعة الإنسان، فهي له ومن أجله، والنجاح في تحقيقها يعني تحسن في نوعية حياته، وذلك التحسن يقاس في جزء منه بالمستوى المادي لمعيشته، وفي جزء آخر بنوعية هذا المستوى اجتماعياً وسياسياً وبيئياً.

وخلال نحو 250 عاماً، حاولت مدارس الاقتصاد الرئيسية الثلاث –وضمنها مئات الاجتهادات- تحديد معالم الطريق إلى النجاح في مشروع التنمية، بدأها آدم سميث في سبعينات القرن الثامن عشر بنصرة عنصر رأس المال الذي سيحقق منافع ماعداه إذا تركت له الحرية. مروراً بالنقيض لكارل ماركس في القرن التاسع عشر بنصرة عنصر العمل في التحيز له عند توزيع منافع التنمية، وشملت تطبيقاته نصف العالم مع خمسينات وستينات القرن الفائت. وانتهاءاً بفكر مختلط يوازن في توزيع المنافع بين العمل ورأس المال، ويعطي الحكومات دوراً متفاوتاً، أدنى في زمن الرخاء، وأكبر في زمن الشدة، والذي بدأ زخمه بعد أزمة العالم الكبرى في ثلاثينات القرن الفائت ليسقط في سبعيناته، ومن المرجح أن يكون هو الفكر الحاكم لاقتصاد العالم بعد أزمة العالم المالية الكبرى في عام 2008. كل هذه المدارس حققت قصص نجاح تنموي مذهلة، ولكنها جميعاً سقطت أيضاً سقوط ذريع، لسبب واحد، وهو السماح لجشع الإنسان أو فساده بالاستيلاء على ما لا يستحق من منافع ما حققته.

إذن، وباختصار شديد، النجاح في مشروع التنمية ليس حكراً على فكر ما، ولا على بلد ما، فلكل نجاح ظروف تاريخية لا تتكرر، ولكل بلد معطيات خاصة ولابد أن تكون لها رؤيتها المختلفة قليلاً أو كثيراً عن ما عداها. وبينما تختلف مبررات النجاح نتيجة اختلاف كل من ظروف البلد والحقبة التاريخية، تتوحد أسباب الفشل، وهي جشع الإنسان سواء كان على رأس السلطة في دولة –حزب شيوعي مثلاً-، أو على رأس مؤسسة أو مؤسسات اقتصادية خاصة وضخمة وتملك تأثيراً قوياً على سلطات اتخاذ القرار.

خلاصة المقدمة، هي أن أي مشروع تنمية، وتحت راية أي مدرسة فكرية، يمكن من الناحية النظرية أن ينجح، ويتحول النجاح إلى واقع إذا كانت ظروف الزمن والبلد مناسبة لتطبيقات تلك الرؤية. ولكن، من المؤكد، أن أفضل الرؤى وتحت أكثر الظروف مناسبة، سوف تفشل إذا اقترن مشروع التنمية بفساد دون عقاب، والفشل سيكون شديد القسوة، إذا كانت ظروف البلد لا تسمح بتكرار موائمة عامل الزمن وتوفر الموارد مثل حالة الكويت.


ثانياً- الفساد: حالة الكويت
يشير تقرير لمنظمة الشفافية العالمية (التحالف العالمي ضد الفساد) لعام 2009، أن الكويت تخلفت في مؤشر مدركات الفساد من المرتبة 35 في عام 2003، إلى المرتبة 66 في عام 2009 في جدول مدركات الفساد الذي يعطي 180 دولة، ذلك يعني أن تدهوراً سريعاً يحدث في نظافة البيئة العامة الحاضنة لمشروع التنمية.  ويفترض، من الناحية النظرية على الأقل، أن لا يحدث هذا التدهور، فالاقتصاد الكويتي اقتصاد قطاع عام تولد الحكومة نحو 67% من حجمه، وتخضع الحكومة في عملياتها لرقابة مسبقة على كل مشروعاتها الكبرى –مثل لجنة المناقصات المركزية-، ورقابة أحياناً سابقة، وفي كل الأحوال لاحقة من ديوان المحاسبة. وفي الكويت سلطات ثلاث أي أنها تؤمن بفصل السلطات، ويتولى مجلس الأمة التشريع والرقابة، بينما تتولى الحكومة التنفيذ، وتتولى السلطة القضائية الفصل في المنازعات، وهو أفضل نظام اخترعه الإنسان لمواجهة الإنحراف. والسلطة التنفيذية وهي المسئولة عن معظم النشاط الاقتصادي ثابتة في صلبها رغم التغيير المتسارع شكلاً، فالتغيير لا يطال في الغالب الأعم سوى مناصبها الثانوية.

ولكن، هذا النظام الصحيح من الناحية النظرية، يفتقد التطبيق الصحيح على أرض الواقع، وبدلاً من أن تعمل سلطات الدولة الثلاث على محاربة الفساد، طال بعضها الفساد لكي يصبح جزء من هذه السلطة، ولأن الفساد مرض شديد العدوى، تبقى مؤشراته إلى تزايد حتى يبذل جهد لاستئصاله. ولأن الفساد ليس وليد لحظته، فلابد من تشخيص مقنع لمسبباته لعلنا ننجح في مواجهته، فالفساد لم يكن مرضاً في الكويت في ستينات وبعض سبعينات القرن الفائت، عندما بدأت الكويت وضع قواعد بناء الدولة الصحيحة أو دولة القانون والمؤسسات. ولكن جشع الإنسان إلى السلطة المطلقة، بدأ مع الارتداد عن سلطة القانون بتزوير نتائج انتخابات عام 1967، ومعه تم إخلال كبير بنظام الدولة الحديثة، وأصبح خرق القانون رشوة مقبولة.

وبدأ بعض الارتداد الإيجابي إلى دولة القانون مع بدايات سبعينات القرن الفائت، وبدأ بعض التصدي لبعض خروقات القطاع الخاص في تداولات الأسهم، وقدم استجواب لوزير التجارة ترتب عليه تشكيل لجنة تحقيق حكومية في منتصف سبعينات القرن الفائت وخلصت اللجنة إلى وجود خمس مخالفات جسيمة –جرائم- تستحق العقاب، وكان يمكن للعقاب أن يقدم علاجاً وقائياً لما هو قادم. ولكن جشع الاستحواذ على السلطة والإثراء غير المشروع أدى إلى انقلاب على الدستور أبو القوانين في عام 1976، والتسامح مع مخالفات المناخ الصغيرة في النصف الأول من السبعينات، ووضع الأساس للمناخ المتوسط في النصف الثاني منها، وفتح الباب على مصراعيه لسرقة مدخرات الناس بتأسيس شركات الورق الخليجية والمقفلة. ولتمرير مقترحات الحكومة لوأد الدستور إلى الأبد، قامت الحكومة بالتدخل المباشر وشراء أسهم المتداولين بتكلفة بلغت نحو 150 مليون دينار كويتي في عام 1978، وقدمت معها مقترحاتها لتنقيح الدستور وشكلت لجنة لتمرير مقترحاتها، ومعها وضعت بذرة لأكبر أزمة مالية في تاريخ العالم قياساً إلى حجم الاقتصاد.

ولم تستطع الحكومة تمرير مقترحاتها لتنقيح الدستور، فأخرجت من قبعة الساحر مقترح تفتيت الدوائر إلى 25 دائرة من أجل التأثير في مكونات السلطة التشريعية الرقابية بزيادة الواصلين إليها من الراشين بالمال وخرق القانون وتخريب مؤسسات الدولة بالرشوة بالمناصب القيادية. وجاء سقوط المناخ الكبير، ليقضي على ما تبقى من سيادة للقانون وحرمة للمال العام، وأصبح، عاجزون مالياً في سلطة اتخاذ القرار، بينما يمنع البنك المركزي مدينون من الوصول إلى مجالس إدارات المصارف. وجاء الانقلاب الثالث على الدستور في عام 1986، وتم اختطاف البلد تماماً وأصبح كل شيء مباح في سبيل خروج أفراد من أزماتهم على حساب القانون والمدخرات العامة، وكان مرسوم قانون المديونيات الصعبة في عام 1992 خاتمة تلك الحقبة التي تم معها توزيع الرشا على الجميع. في تلك الحقبة التي شهدت معاول التعدي على قواعد الدولة الحديثة أو دولة القانون، وضعت سيناريوهات أكبر سرقات التاريخ التي طالت استثمارات الكويت الخارجية ومدخرات قطاعها النفطي، وطالهم عقاب قضاء دول مثل بريطانيا وأسبانيا أكثر مما طالهم في الكويت البلد المسروق.

والحاضر، أو واقع الفساد الذي قال فيه سمو الأمير أن فساد البلدية لا تحمله البعارين، هو امتداد لذلك التاريخ، وأي مواجهة له، لابد وأن تأتي من وعي بما طال هيبة القانون ومعه هيبة سلطات الدولة. وعندما يتركز نقاش السلطتين التنفيذية والتشريعية ليس حول واقعة الفساد، وإنما عن انتماء المتهم بالفساد إلى أي عصبية ضمن الدولة، يكون الفساد قد بلغ حالة مرضية متقدمة. وعندما يسقط حكم في قضية فساد رئيسية لأنه غير مؤرخ، أو يصدر حكم براءة في قضايا رشاوي انتخابية موثقة بالصوت والصورة، يزداد مستوى القلق، ولابد من دعوة صريحة وقوية لاستقلال السلطة القضائية مع سن تشريع قاطع بضرورة التفتيش من قبلها على أحكامها وممارساتها.

من الناحية النظرية تبدو الكويت دولة ديمقراطية، تعمل بنظام السلطات الثلاث مع فصلها وتوازنها، ولكنه نظام معطل على أرض الواقع، فالسلطة التنفيذية طاغية على ماعداها، وثابتة في صلبها، والصراع ضمنها يبيح المحرمات من أجل ضرورة الحصول على مكافأة السلطة المطلقة غير المستحقة، وهي بطبيعتها مفسدة. والسلطة التشريعية يحكم معظم الوصول إليها الانتماء المناطقي أو العائلي أو القبلي أو الطائفي، وتلك على كارثيتها أقل ضرراً، وتحكم غالبية الوصول إليها الرشوة بكل أشكالها ومضامينها، شاملاً شراء أقطاب في السلطة التنفيذية لكتل من إفرازات الانتخابات النيابية. فالبعد السياسي في تشكيل الحكومات معطل بحكم عدم إباحة نظام الأحزاب، وقصور التجربة على التشريع والرقابة ناتج عن إهمال عنصر أساس في نجاح النظام الديمقراطي، أي ممارسة الحكم من خلال السلطة التنفيذية عند الحصول على الأغلبية في الانتخابات النيابية. وبينما قواعد بناء دولة القانون كانت صحيحة، تم إبطالها بنظام ديمقراطي فريد وقاصر، لا يفيد معه في مواجهة الفساد تشريعات محكمة، ولا رقابة سابقة أو لاحقة، لأن الفجوة كبيرة بين النظرية وتطبيقاتها.

وعودة إلى بدء، لن أصاب بالدهشة إذا استمر ترتيب الكويت ضمن جدول مدركات الفساد بالتدهور، لأن الخلل هو في آلية تطبيق نظام الحكم وليس في أساسه النظري. والحل يكمن في العودة إلى الأصل، أي احترام قواعد النظام الديمقراطي تطبيقاً وليس نظرياً فحسب، فسيادة القانون المطلقة، أو تواضعاً شبه المطلقة، هي أساس الحكم الصالح، ومعه يتلاشى معظم الفساد.

خطة التنمية- حالة الكويت
قبل الدخول إلى محور الفساد والتنمية، لابد من التعريف بخطة التنمية، فخطة التنمية من الناحية النظرية –طبقاً لمحتواها- تسعى إلى تحقيق هدفين رئيسيين بكل أهدافهما الفرعية، والهدفان هما، الأول، وقف التدهور في تنافسية الاقتصاد الكويتي عن طريق وقف التدهور في اختلالاته البنيوية، والثاني، حشد الموارد البشرية والمادية لتحويل الكويت إلى مركز مالي، والأهم، تجاري. وما يجعلنا نعيش مع بعض الأمل، هو أن تلك التوجهات من ناحية التشخيص صحيحة، بما يحصر قلقنا على ناحية التطبيق، ولكن القلق يفوق الأمل، لأن التشخيص ليس جديد، بينما التطبيق حتى الساعة يسير في اتجاه معاكس.

فالهدف الأول للخطة سوف يقاس بردم أربع اختلالات رئيسية، الأول زيادة مساهمة القطاع الخاص في توليد الإنتاج السلعي والخدمي بأسرع من مساهمة القطاع العام حتى تنخفض مساهمة الأخير باضطراد من مستوى حالي يبلغ نحو 67%. والثاني وهو متصل بالأول، خفض اعتماد تمويل الموازنة العامة من إيرادات النفط –حالياً 94% بعد أن كانت 88% في ثمانينات القرن الفائت- وهو أصل زائل، وذلك بخلق وعاء ضريبي من نشاط مضطرد ودائم للقطاع الخاص. والهدف الثالث هو احتواء أكبر المشاكل القادمة، وهو اختلال ميزان العمالة، بين توظيف الحكومة بشكل مباشر نحو 77% من العمالة المواطنة ودعم العاملين منهم بالقطاع الخاص، وعجزها الأكيد عن توفير فرص عمل لنحو ضعفهم من القادمين الجدد إلى سوق العمل خلال العقدين القادمين. والهدف الثالث أو علاج الخلل الخطر في ميزان العمالة لا يمكن أن يتحقق دون احترام شديد لعلاج الاختلال الأول أو زيادة النشاط الاقتصادي المستدام، وزيادة إيرادات الموازنة من موارد مستدامة –وعاء ضريبي- من نشاط القطاع الخاص المستدام. والرابع هو الخلل في ميزان السكان، فالكويتيون أقل من ثلثهم، ومعظم ما تبقى هو عمالة هامشية يراوح معظمها ما بين الأمية وفك الخط، وهي من جانب تمثل عامل ضغط شديد للطلب على السلع والخدمات العامة المدعومة، وهي من جانب آخر لا تضيف المقابل من إنتاجيتها. والهدف الأول، هو ما يسمى في استراتيجيات التنمية بهدف إطفاء الحريق، فالنموذج القديم الذي اعتمد مبدأ توزيع الثروة بدلاً من تنميتها، وطغى فيه جانب الإنفاق العام –شق من السياسة المالية- على كل ماعداه، خلق تلك التشوهات. هذا النموذج المعتمد على تحويل الثروة من القطاع العام إلى القطاع الخاص، والمعتمد في تنمية الثروة على تضخم أسعار الأصول، وفصل بين مكافأة العمل وإنتاجيته، أصاب تنافسية اقتصادها –المرض الهولندي- إصابة بالغة، اضطرها لآن تبدأ بالإطفاء متزامناً مع البناء.

أما الهدف الثاني، فهو يتمثل في حشد كل قوى العقل، وكل الموارد أو العضل، بالتوازي مع إصلاح الاختلالات في الهدف الأول، إلى استبدال صلب نشاطها في اتجاه ما تملك فيه الكويت ميزة نسبية، وبما يضمن استدامة النمو. وضمن الهدف الثاني، شق تحويل الكويت إلى مركز مالي، والكويت متفوقة في تقديم الخدمات المالية، وفيها نشأ أول صندوق سيادي، وأول بنك إسلامي، ومصارفها الأولى في الترتيب على مستوى الشرق الأوسط، وتتساوى تقريباً مدخرات قطاعها العام والخاص، وبناها التشريعية هي الأفضل في الإقليم. أما الشق الثاني والأهم، فهو تحولها إلى مركز تجاري، بسند من أداء تاريخي وموقع جغرافي على حافة نحو 100 مليون نسمة في غربها وفي شمالها، وتوفر كل وسائط النقل من البر والبحر والجو. وتحولها إلى مركز مالي وتجاري يتسق مع عدم حاجة النشاطين إلى عمالة كثيفة، وإنما عمالة عالية الاختصاص، والنشاطين مكملين لبعضهما البعض، ومع فتح البلد للسياحة التجارية، يمكن أن يتواصل الدعم إلى كل الخدمات المساندة.

وهذا الفهم لأهداف الخطة ليس جديد، فهو صلب محتوى كل الدراسات الجادة منذ ثلاث عقود على الأقل، وهو ضمن كل توصيات المجالس واللجان التي أنشأتها الحكومة. الجديد هو، أن الخطة بمضمونها كما أفهمه، قد تحولت إلى قانون ملزم بإجماع كل الحضور من السلطتين التنفيذية والتشريعية عند التصويت على ذلك القانون. ما لا نستطيع الجزم به، هو ما إذا كان من أقرها بالإجماع، أو حتى أغلبيتهم، يعي أهداف الخطة الحقيقية، وقابل وقادر على تحمل تبعات تحول جوهري في مسار السياسات العامة لتحقيق تلك الأهداف. فالكويت لا تملك الكثير من الوقت للاستمرار في نهجها القديم، فالحريق يكبر بمرور الزمن، وكذلك تكاليف إطفائه، ومصدر التمويل زائل وبشكل متسارع لغلبة ثقافة التوزيع على ثقافة البناء، والأمل يضعف إلى حدود التلاشي مع كل فشل كبير.

والفشل الكبير يمكن أن يأتي من فهم خاطئ لأهداف الخطة، أو وعي ضعيف لا يرقى إلى مستوى تحمل سياسات غير شعبية على المدى القصير، وهناك مؤشرات توحي بصدق هذه المخاطر. أولاها أن الشأن الاقتصادي ومن ضمنه خطة التنمية هو شأن اختصاص، وأحد أكثر العلوم تعقيداً، إلا أن هذا الاختصاص على المستوى العام لم يحترم بإسناده إلى نائب لرئيس الوزراء غير مختص علماً وخبرة. ودون أي وازع سياسي من قبلي، يبقى مفهوم التنمية اختصاص لابد وأن يحترم على كافة مستويات من يتولى مسئوليتها، والنجاح مرتبط بفهم لغتها ومتطلباتها –سنغافورة وماليزيا وفيتنام مثال-، وضعف الوعي أو عدم احترام الاختصاص قد يكون مؤشر على ضعف جدية طرح المشروع. ثاني المؤشرات غير المريحة هو أن إعداد نفس الخطة استغرق عشر سنوات، وعندما تم إقرارها، كانت قد مرت على تاريخ نفاذها، وذلك يدعم التخوف الأول بأنها ربما تكون مجرد سلعة في حراج السياسة. أما ثالث المؤشرات فهو أن تأخرها عشر سنوات وتنفيذها متأخرة بعد مضي 20% من عمرها، لم يشفع لها لتكون متكاملة، فبعد 4 شهور على نفاذها المتأخر، كان ذلك الاكتشاف العظيم بأنهم أغفلوا تغطية سبل تمويلها. ومن أبسط متطلبات العمل بخطة أن تكون مرتبطة بآلية تنفيذها ووسائل تمويلها، ولكن حتى عند طرح المشكلة، نحن لم نعرف حتى هذه اللحظة أين يقع اختناق التمويل، وما هو حجمه، وما هو مداه الزمني إن وجد. ويظل مثل هذا التهديد بفشل الخطة والآتي من ضعف الوعي أو التردد في قبول متطلبات تنفيذها غير الشعبية هو أهون الشرور، ويظل أشد الشرور أو الفشل الأكبر، هو في أن تكون الخطة وسيلة أو طريق لفساد أكبر، وهو موضوع محورنا التالي.



ثالثاً- التنمية والفساد: حالة الكويت
لا يرجح ما طرح حتى الآن، ومن أكبر مسئولي تنفيذ خطة التنمية، بأن التنمية بمفهومها المركب والصحيح، أو بمفهوم علاج الاختلالات البنيوية وتوجيه العقل والموارد لما للكويت من أهداف إستراتيجية لها في تحقيقها ميزة نسبية، هو هاجسهم. وقد صرح مبكراً جداً كلاً من نائب رئيس الوزراء للشئون الاقتصادية ووزير الأشغال والبلدية، بأن نحو 25% من خطة الأربع سنوات قد تم إنجازه في 4 شهور أو أقل، والمقصود هنا هو حجم الالتزام بالعقود، وهي مرحلة دون مستوى إنجاز المشروعات على خطورة اختزال الخطة إلى مشروعات فقط. ويشير التاريخ الموثق للحكومة الكويتية في تلزيم المشاريع، إلى جانب تعميقه للاختلالات الهيكلية، لم يكن في يوم من الأيام نظيفاً، وفي أحسن الأحوال كان وسيلة للإثراء غير المشروع من أراض رخيصة أو رخص احتكاريه، وفي أسوأها بدأت المشروعات بغرض وانتهت بأغراض أخرى، أو كان غطائها مستفيد، وانتهت إلى آخرين.

وذلك التاريخ الثري والمؤسف للفساد، خلق شكاً معظمه مستحق على كل ما تقدمه أو تشرف على تنفيذه الحكومة، لذلك نشأت في الكويت تشريعات حمائية الغرض منها التشدد إلى حدود المبالغة أحياناً في ضوابط تلزيم وتنفيذ أي مشروع. أزمة الثقة تلك، والناتجة عن الانطباع بأن الحكومة لن تكون جادة في مواجهة أي فساد لو حدث، وأن أطرافاً فيها إما مستفيدة أو ضالعة في إفادة أطراف فاسدة، حقق نتيجتين في غاية السلبية.

الأولى هي مساهمة تاريخ الفساد في بناء بيئة تشريعية طاردة، فكل التفاصيل تأتي في التشريع تحسباً لفساد حتمي، من العمر الزمني للإفادة من أصول المشروع أو تسهيلاته، إلى حدود العائد عليه، إلى توزيع دقيق لملكيته، إلى تسمية القطاعات المتاحة، إلى حق الفيتو أو حق الاعتراض على قرارات كل شركاته. وأصبح الأصل هو أن يعمل المشروع بأعلى مستوى من المخاطر، ولكن بأقل مستوى عائد، وذلك يعني أن فرصة المشروع بالنجاح في حدودها الدنيا، وفشل أي مشروع هو انتكاسة لجهود التنمية وتبديد للموارد الشحيحة. وكان نتيجته أيضاً هو ذلك الشعور الخطر، بأنه مادام التسامح مع الفاسدين الكبار أصبح قاعدة، فلابد من تعويض الصغار بالكرم معهم، ملكية وعمالة وكوادر خاصة ومكافأة والتعويض عن خطأ التزامهم مثل الدعوة إلى إسقاط القروض أو فوائدها، وهي ضربة أخرى لتنافسية الاقتصاد وقيم العمل والالتزام.

والتبعات الناتجة عن فساد البيئة العامة، خلقت ثقافة متنامية أسست لمبدأ عام معاكس تماماً لمبدأ التنمية المستدامة، وهو مبدأ اقتسام الثروة المؤقتة بدلاً من تنميتها وضمان ديمومتها. وخلق الشك الكبير في فساد أطراف في الحكومة وتعاقسها عن مواجهة الفساد إن حدث، مقاومة كل مشروع حكومي –مثل المصفاة الرابعة وداو كيميكال ومشروع حقول الشمال-، فالحكومة مدانة حتى تثبت براءتها. وأصبح التركيز ليس على جوهر التنمية وهي طريق الخلاص الوحيد، وإنما على التكسب السياسي في اتهام أطراف السلطة لبعضها في وأد ما هو غير موجود والمقصود هنا مشروع التنمية، وأصبح شعار تعطيل مجلس الأمة للتنمية هو الشعار السائد، بينما الحقيقة هي أن تاريخ الحكومة الرخو في مواجهة الفساد هو الفعل الذي يستحق المواجهة، وليس رد الفعل المتشدد، وحتى وإن طالته المبالغة، وذلك كله تبعات تاريخ الفساد.

أما الثانية، فهي تجربة المشروع التنموي الحالي، فبعد 10 سنوات، بدأ متأخراً وبإدارة غير متخصصة، وبفهم مغلوط لمسئولي الخطة عند نسبة الإنجاز إلى مستوى الإنفاق، وبالاكتشاف المتأخر لاختناق في جانب التمويل، إن وجد الاختناق. ولكن كل ذلك يحسب على قصور الإدارة الحكومية، إما ما يحسب على احتمال انحراف النوايا وبؤرة فساد كبير، هو ذلك الحل السحري الذي سحب هذه المرة فيلين من قبعة القائمين على نفاذ خطة التنمية. ولشرح حكاية الفيلين، سوف أفترض أن تكلفة المشروع التنموي لأربع سنوات هي 30 مليار دينار كويتي، وأنها تقسم إلى ثلاث مكونات، الأول هو تكلفة المشروعات العامة –طرق وجسور وإسكان- وبحدود 10 مليار دينار كويتي، والثانية مشروعات قطاع النفط بنحو 10 مليار دينار كويتي أخرى والأولى والثانية قرارات عامة وهما فيلا التنمية، أما الثالثة وهي 30 مليار دينار كويتي وتخص القطاع الخاص.

والفيل الأول، كان الدعوة إلى تأسيس صندوق أوكيان حكومي برأسمال 10 مليار دينار كويتي لتمويل مشروعات القطاع العام. وفي تجارب العالم التنموية المعاصرة ما بين نهاية الحرب العظمى الثانية بدءاً من اليابان وألمانيا المدمرتان، مروراً بنمور آسيا ودول أوروبا المريضة الصغيرة مثل إيرلندا وفنلندا، وانتهاءاً بالصين والهند والبرازيل وتركيا، لم ترتكب أياً من الخطايا الإدارية المذكورة في صدر هذه الفقرة. ولكن حين تقدم فكرة صندوق تمويلي عملاق، ويجند فريق من الفنيين والسياسيين لتسويقها، للإفادة مالياً ووظيفياً، والأهم سياسياً على حساب مشروع التنمية الحيوي، بينما فكرة الصندوق مخالفة تماماً لمعظم أهداف الخطة، يصبح الأمر مثاراً للشك في مشروع التنمية برمته. فتأسيس هذا الكيان التمويلي يعمق من معظم الاختلالات الهيكلية من زيادة دور الحكومة في الاقتصاد، إلى زيادة العبء على المالية العامة، إلى مزيد من توظيف القوى العاملة في القطاع العام، وإلى خلق كيانات اقتصادية مدعومة غير قابلة للاستمرار وطاردة للجيد من المؤسسات، ويناقض تماماً هدف التحول إلى مركز مالي. ولا أجد تفسيراً عاقلاً لطرح هذا المقترح، سوى أنها محاولة لاختطاف مشروع التنمية من قبل فاسدين مالياً وسياسياً، وبعد دعم مبكر من قبلي لخطة التنمية على تواضعها بافتراض أنها أفضل الممكن، أجد نفسي مضطراً للتوجس من كل ما يصدر عن القائمين عليها، في حين أنها بحاجة لكل الدعم من أياً كان.

والفيل الثاني، هو الرغبة في اختراق الشق الآخر من التمويل الحكومي الضخم أو مشروعات قطاع النفط المقدرة بنحو 10 مليار دينار كويتي أخرى، فقرار قطاع النفط كان تشكيل لجنة وتعيين مستشار عالمي لإعادة بناء القطاع بدءاً بوضع معايير مهنية عند اختصار قياداته. وقطاع النفط هو الضرع الوحيد الذي يرضع البلد، والذي حدث مع تباشير بداية نفاذ الخطة كان خلافاً لما هو متفق عليه، كان إلغاء جهد لجنة معايير الاختيار للقيادات ومستشارها، وتقديم مقترح بقياديين جدد. وبغض النظر عن الآتون الجدد أو المغادرون، إلغاء المهنية في التعيين يثير شبهة كبرى حول النوايا، وخطورته لا تنتهي باحتمالات كبيرة لفساد قادم، وإنما احتمال تخريب لجسر العبور إلى التنمية المستدامة المحتملة أما تبقى صالحاً مع قطاع النفط. والواقع، أننا بتنا نسمع بأن جواز العبور للمنصب القيادي بات يمر بمكاتب متمصلحون سياسياً أو مالياً من قطاع النفط ومشروعاته، وذلك لن يساعد قطاع النفط في تمرير مشروعاته، وهو حتماً بداية ثانية مؤسفة لمشروع التنمية.

وباختصار، لا يدعم تاريخ الفساد بأن مواجهتنا له كانت فاعلة، بل يوحي بأنها كانت مشجعة، بدليل تخلف الكويت في قائمة مدركات الفساد من المرتبة 35 مكرر في عام 2003، إلى المرتبة 66 في عام 2009 كما ذكرنا، ومقترح صندوق التمويل الحكومي لمشروعات التنمية، لا يبشر بمستقبل أفضل لمستوى الفساد. والخيار بين نجاح مشروع التنمية وبقاء الفساد خيار مستحيل، وإن وجدت بعض الاستثناءات خلال زمن معلوم في بعض الدول ذات الأنظمة الشمولية –مثل أندونيسيا في زمن سوهارتو والصين في ثمانينات القرن الفائت-، فهذه الاستثناءات غير متاحة في الأنظمة الديمقراطية، كما أنها حكايات من التاريخ وليس في زمننا الحالي. ويكفينا في الكويت تبعات مواجهة المعيقات الإدارية الجوهرية التي تبقى فرص نجاح مشروع التنمية ضعيفة، أما عند إضافة عامل الفساد التاريخي والقائم، فالأمل في نجاح المشروع معدوم.


رابعاً- خاتمة:
لسنا متطرفون ولا حالمون، حتى نقسم الأمور إلى خيارين لا ثالث لهما كما فعل بن لادن في تصنيفه لكل العالم بين فسطاط كفار وفسطاط مؤمنون، فالخيار ليس بين تنمية نظيفة تماماً أو فساد كامل، وسيبقى هناك فساد ما بقى الإنسان. ما هو محزن هو أن يتحول الفساد إلى ثقافة، وتنذر البيئة المشجعة له إلى احتمال تحوله إلى وباء، بينما الأصل هو دعم بيئة صحية تقاومه وبعنف من الناحية القانونية، وتنبذه أخلاقاً وقيماً.

فالكويت بلد مورد ناضب، يتناقص بمرور الزمن، بينما تتزايد بشدة احتياجات الناس، والتشخيص الصحيح لأمراض اقتصادها، والتركيز الشديد في البناء على مناحي القوة فيه، يتطلب حشد كل قوى العقل والعضل. وما يحدث فيها حالياً أمر معاكس، أو بذل كل قوى العقل لاجتناب شر سرقة الموارد، وإن لم يكن هذا ممكناً، فلا بأس إذا من توزيع حصصها بشكل أكثر عدالة. وهذه وصفة للضياع، فالوقت والموارد محدودين، والفشل في استغلالهما بشكل صحيح، هو الطريق إلى دفع البلد إلى حالة من عدم الاستقرار، فالبلد يحتاج إلى خلق ضعف فرص العمل التي خلقها في 60 عاماً، بأقل من 30 عام، ولكن بتكلفة أعلى بأضعاف من التكلفة التاريخية لتلك الوظائف.

وطريق الخروج من مأزق خطر محتمل، هو تبني رؤية صحيحة لتكون خارطة الطريق أو الأساس النظري لحشد الطاقات، والتنفيذ هو محك الاختبار الرئيسي، وأهم ركائزه هو بداياته الصحيحة. وبينما نستطيع لو خلصت النوايا، إصلاح بعض العيوب في وعي واختصاص الإدارة الرئيسية لمشروع التنمية، بحكم ما لدى الكويت من مناخ سياسي مفتوح، لا يبدو أن هناك أمل في تسويق متطلبات التحول التنموي، وبعضه غير شعبي على المدى القصير، عند مستويات الفساد السائدة حالياً. ولا تحتاج مواجهة الفساد، الضرورية جداً لنجاح مشروع التنمية، إلى الكثير من الخطب وإعلان النوايا، وإنما تحتاج إلى مواجهة وقائع باتت وبائية ومعروفة للجميع، وما علينا سوى وضع إصبعنا وعيوننا معصوبة، على أي مشروع كبير وعام، وسنجد فيه ما يكفي من فساد. ذلك صحيح في مشروع الموازنة العامة للدولة، وهو أيضاً صحيح في مشروع طريق أو مستشفى أو كل ما فوق الأرض، والأمر حتى أكثر خطورة في مشروعات ما هو تحت الأرض، ومشروع مجاري مشرف مجرد نموذج.

وإذا عجزت سلطات الدولة الثلاث عن تقديم وإدانة متهم رئيسي واحد من أي من هذه الحالات، فأمر تحول الفساد إلى وباء هو مسألة وقت. ولأننا، وبسبب عنصر الزمن الضاغط، لا نملك خيار التباطؤ في الإصلاح والبناء، ولاحقاً لا نملك الموارد حتى لو ملكنا الرغبة والرؤية الصحيحتين، لا يمكن لمشروع التنمية النجاح، دون تقدم أكبر في مواجهة الفساد، وبدءاً من فساد الرؤوس الكبيرة.










الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها